كُتّاب وآراء

د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: شماعه الأخطاء .. «اقتلوا الأطباء ثم ابكوا علي هجرتهم»

ما جرى فى مستشفى قنا العام ينبغى ألا ينتهى عند حدود قرار إدارى أو إقالة مسئول، لأن القضية أكبر من شخص وأبعد من واقعة، القضية الحقيقية هى كيف نتعامل مع الطبيب المصرى؟ هذا الطبيب الذى نطالبه بأن يكون حاضراً فى كل لحظة، وأن يواجه المرض والموت والأوبئة والحوادث والكوارث، وأن يعمل تحت ضغط لا يتوقف، ثم نتركه فى أحيان كثيرة وحيداً أمام نقص الإمكانات، وضغط العمل وبيروقراطية الإدارة، وأحياناً اعتداءات المرضى وذويهم، وعندما تقع الأزمة، يصبح الطبيب هو الحلقة الأسهل للمحاسبة، وكأن منظومة الصحة بكل تعقيداتها يمكن اختصارها فى شخص واحد.

الطبيب هو حارس الحياة ومندوب الرحمة على الأرض، والطبيب المصرى تحديداً أثبت أنه واحد من أهم كنوز هذا الوطن البشرية، كان الجيش الأبيض دائماً فى الصفوف الأولى خلال الحروب والأوبئة والكوارث، ووقف الأطباء المصريون فى رفح وداخل قطاع غزة يقدمون العون والجراحات للأشقاء تحت ظروف قاسية لا يستطيع كثيرون تحملها، وفى الداخل حمل الأطباء على عاتقهم تنفيذ المبادرات الصحية الرئاسية الكبرى، من القضاء على فيروس «سى» إلى إنهاء قوائم الانتظار، ومبادرات صحة المرأة والطفل والكشف المبكر عن الأمراض، كل ذلك يؤكد أن الدولة لا تملك رفاهية التعامل مع الطبيب باعتباره مجرد موظف يمكن تعطيله بورقة أو نقله بقرار أو تركه يواجه مصيره وحده.

ولهذا إصلاح المنظومة الصحية لا يبدأ بإلقاء المسئولية على الطبيب عند كل أزمة، ولا ينتهى بإقالة مدير مستشفى، المحاسبة مطلوبة، نعم، لكن الإصلاح الحقيقى يبدأ من الاعتراف بأن الطبيب المصرى يحتاج إلى منظومة تحميه وتدعمه وتوفر له الأدوات اللازمة للعمل، وتحرره من البيروقراطية، وتحميه من الاعتداء وتفتح أمامه أبواب البحث العلمى والتطوير، فلا يعقل أن يضيع الطبيب وقته بين الاستمارات والتوقيعات والانتدابات أو أن يخوض معركة من أجل الحصول على مصدر علمى، أو أن يعمل بعيداً عن أسرته فى ظروف قاسية، ثم نندهش بعد ذلك عندما يختار الهجرة بحثاً عن بيئة تقدر علمه وإنسانيته.

الطبيب المصرى ليس خصماً للمواطن والمواطن ليس خصماً للطبيب، كلاهما فى مواجهة منظومة تحتاج إلى إصلاح حقيقى ومن يريد إصلاح الصحة فعليه أن يبدأ من الإنسان الذى يقف فى قلبها، احموا الطبيب، قدروا علمه، وفروا له أدواته، وحاسبوا المقصر بعدل، لكن لا تجعلوا من الطبيب شماعة جاهزة لكل أزمة، فالطبيب الذى نحميه اليوم هو نفسه الذى سيحمى حياة المواطن غداً.

حفظ الله مصر جيشاً وشعباً وقيادة.

 اقرأ أيضا – د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: العدالة الاجتماعية تبدأ من رغيف الخبز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى