كُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: آفاق الصناعة في مصر

لا شك أن الصناعة كانت وما زالت القاطرة الحقيقية للتنمية الاقتصادية في كل دول العالم، فهي الأساس الذي تُبنى عليه الاقتصادات القوية، والسبيل الأمثل لزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق، أتابع باهتمام كبير كل ما يتعلق بقطاع الصناعة في مصر، وأؤمن بأن المرحلة المقبلة تحمل فرصًا واعدة إذا ما استمرت وتيرة الإصلاح والعمل الجاد.

ومنذ تولي وزير الصناعة الجديد حقيبة الوزارة  المهندس خالد هاشم في فبراير 2026، حرصت على متابعة أنشطته وتصريحاته عن قرب، ووجدت أمامي نموذجًا لمسؤول شاب، مجتهد، يحمل فكرًا وطنيًا ورؤية واضحة لإعادة الحيوية إلى القطاع الصناعي المصري.

ولا يعود هذا التفاؤل إلى الحماس وحده، بل إلى ما يمتلكه الوزير من خبرات عملية متميزة، فقد شغل مناصب قيادية في شركات عالمية كبرى مثل هانيويل (Honeywell) وجنرال إلكتريك (GE)، إلى جانب خلفيته الأكاديمية في الهندسة وإدارة الأعمال. وهي خبرات تمنحه القدرة على نقل أفضل الممارسات العالمية إلى الصناعة المصرية، وربطها بالتكنولوجيا الحديثة ومتطلبات الأسواق الدولية.

وتقوم رؤيته على عدة محاور رئيسية، في مقدمتها تعميق التصنيع المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وتشجيع الصناعات ذات القيمة المضافة، والتحول نحو الصناعة الخضراء والمستدامة، إلى جانب تقديم حوافز غير مسبوقة لدعم البرامج الوطنية لتنمية صناعة السيارات في مصر، بما يسهم في زيادة المكون المحلي، وجذب الاستثمارات، وخلق آلاف فرص العمل الجديدة.

ومن الأخبار التي أسعدتني كثيرًا خلال الأيام الماضية، إعلان مجموعة Jai Dadi الهندية وضع حجر الأساس لمصنع “نايل فيرو ألويز” لإنتاج السبائك المعدنية بمنطقة شرق الإسماعيلية الصناعية، في وادي التكنولوجيا، التابعة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات تبلغ 16 مليون دولار.

هذا الخبر لا يمثل مجرد إنشاء مصنع جديد، بل يعكس رسالة ثقة قوية في الاقتصاد المصري، ويؤكد أن مصر أصبحت وجهة جاذبة للاستثمارات الصناعية العالمية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية التي تعتمد على التكنولوجيا وتحقق قيمة مضافة عالية.

وقد شهد مراسم وضع حجر الأساس السيد وليد جمال الدين، رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بحضور اللواء أركان حرب نبيل حسب الله محافظ الإسماعيلية، والسفير الهندي بالقاهرة سوريش كيه ريدي، إلى جانب عدد من قيادات الهيئة وممثلي المجموعة الهندية، وهو ما يعكس الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لهذا النوع من المشروعات الصناعية.

ولعل اختيار منطقة شرق الإسماعيلية ووادي التكنولوجيا لإقامة هذا المصنع يحمل دلالات مهمة، فهذه المنطقة مرشحة لأن تصبح واحدة من أهم القواعد الصناعية والتكنولوجية في الشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي بالقرب من قناة السويس، ومن شبكة الطرق الحديثة، والموانئ المتطورة، والبنية التحتية التي أنجزتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.

إن جذب الاستثمارات الأجنبية لا يتحقق بالشعارات، وإنما بتهيئة مناخ استثماري قادر على منح المستثمر الثقة والسرعة في الإجراءات، وتوفير الأراضي المرفقة، والطاقة، والخدمات اللوجستية، وهو ما بدأت الدولة في تحقيقه بالفعل، الأمر الذي انعكس في تزايد اهتمام الشركات العالمية بالسوق المصرية.

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المصانع التي يتم افتتاحها فقط، بل بقدرتها على نقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة المصرية، وزيادة نسبة المكون المحلي، ورفع الصادرات، وتعزيز تنافسية المنتج المصري في الأسواق العالمية.

وأرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد مزيدًا من التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص، مع دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة، وتطوير التعليم الفني، باعتباره أحد أهم ركائز بناء قاعدة صناعية قوية ومستدامة.

إن مصر تمتلك كل عناصر النجاح؛ موقعًا جغرافيًا فريدًا، وسوقًا كبيرة، واتفاقيات تجارية مع العديد من دول العالم، وبنية تحتية حديثة، وإرادة سياسية داعمة للتنمية الصناعية. وإذا استمرت وتيرة العمل الحالية، فإننا سنشهد خلال السنوات المقبلة تحولًا حقيقيًا يجعل من مصر مركزًا صناعيًا إقليميًا قادرًا على المنافسة.

الصناعة ليست مجرد مصانع وآلات، بل هي مستقبل وطن، واستثمار في الإنسان، وضمانة حقيقية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وزيادة الصادرات، وتعزيز قوة الاقتصاد الوطني.

وأنا على يقين بأن ما نشهده اليوم من تحركات جادة، ورؤية واضحة، ومشروعات صناعية واعدة، يمثل بداية مرحلة جديدة تستحق الدعم والمساندة، لأن نهضة الصناعة هي نهضة لمصر كلها، ولأن المستقبل يُبنى بالإنتاج والعمل، وليس بالكلام.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

اقرأ أيضاالإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: لماذا الأوكتاجون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى