الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: لا تستخدموا بياناتي
في عصر التحول الرقمي، أصبحت بياناتنا الشخصية سلعة ثمينة، بل ربما أغلى من الأموال نفسها. الاسم، رقم الهاتف، العنوان، البريد الإلكتروني، الرقم القومي، وحتى عاداتنا الشرائية، كلها أصبحت معلومات تُجمع وتُحلل وتُباع أحيانًا دون علم أصحابها.
والمؤسف أن كثيرًا من ضحايا عمليات النصب الإلكتروني لا يكونون ضحايا “هاكرز” محترفين فقط، بل ضحايا لتسريب بياناتهم من جهات يفترض أنها الأكثر أمانًا.
السؤال الذي يفرض نفسه هو: من المسؤول؟
عندما تقوم بفتح حساب في بنك، أو تشتري منتجًا من متجر إلكتروني، أو تستلم طلبًا عبر شركة شحن، فأنت تمنح هذه الجهات قدرًا كبيرًا من معلوماتك الشخصية. من المفترض أن تكون هذه البيانات محمية بقوانين صارمة وأنظمة أمن إلكتروني متقدمة، لكن الواقع يكشف أن تسريب البيانات يحدث لأسباب متعددة.
قد يكون السبب اختراقًا إلكترونيًا لأنظمة الشركة، أو إهمالًا في تأمين قواعد البيانات، أو موظفًا غير أمين يبيع بيانات العملاء مقابل المال، أو شركات تسويق تحصل على المعلومات بطرق غير قانونية.
النتيجة واحدة…
يتصل بك شخص يعرف اسمك بالكامل، وعنوانك، وآخر عملية شراء قمت بها، وربما يعرف البنك الذي تتعامل معه. عندها تشعر بالثقة، وتعتقد أنه موظف رسمي، بينما هو في الحقيقة محتال محترف يستخدم معلوماتك ضدك.
لقد تطورت أساليب النصب بشكل مخيف. لم يعد المحتال يطلب منك تحويل الأموال مباشرة، بل يقنعك بأنه يريد “تحديث البيانات”، أو “تأكيد عملية شراء”، أو “إلغاء معاملة مشبوهة”، لينتهي الأمر بالحصول على كلمة المرور أو رمز التحقق الذي يصل إلى هاتفك، فتختفي أموالك في دقائق.
الأخطر من ذلك أن البيانات المسربة قد تُستخدم في انتحال الشخصية، وفتح حسابات وهمية، أو الحصول على قروض، أو تنفيذ عمليات احتيال باسم الضحية.
وهنا تظهر المسؤولية المشتركة.
البنوك مطالبة بتطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني، ومراقبة أي وصول غير مصرح به إلى بيانات العملاء، وعدم الاكتفاء بالرسائل التحذيرية بعد وقوع الجريمة.
شركات التجارة الإلكترونية مطالبة بحماية قواعد بياناتها وعدم مشاركة معلومات العملاء مع أي طرف دون موافقة صريحة.
شركات الشحن مطالبة أيضًا بالحفاظ على سرية بيانات المستلمين، لأن عنوان المنزل ورقم الهاتف قد يكونان بداية سلسلة طويلة من عمليات الاحتيال.
أما الجهات الرقابية، فعليها فرض عقوبات رادعة على كل مؤسسة يثبت تقصيرها في حماية بيانات المواطنين، لأن التساهل في هذا الملف يعني تعريض ملايين الأشخاص للخطر.
ولكن، ماذا عن دورنا نحن؟
هناك خطوات بسيطة قد تمنع كارثة كبيرة:
لا تعطِ رمز التحقق (OTP) لأي شخص مهما كانت صفته.
لا تضغط على روابط مجهولة تصلك عبر الرسائل أو تطبيقات التواصل.
استخدم كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب.
فعّل المصادقة الثنائية متى كانت متاحة.
راقب حساباتك البنكية باستمرار، وأبلغ فورًا عن أي معاملة غريبة.
لا تنشر بياناتك الشخصية أو صور بطاقاتك على الإنترنت.
تعامل فقط مع المواقع والتطبيقات الموثوقة.
كما يجب أن نتوقف عن كتابة أرقام الهواتف والعناوين في التعليقات العامة أو إرسال صور بطاقات الهوية عبر تطبيقات المراسلة دون ضرورة.
إن حماية البيانات لم تعد رفاهية، بل أصبحت حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان في العصر الرقمي.
رسالة أخيرة…
لا تستخدموا بياناتي.
هي ليست مجرد أرقام محفوظة في قاعدة بيانات، بل جزء من هويتي، وأمني، وخصوصيتي، ومستقبل أسرتي.
وعلى كل مؤسسة تحتفظ ببيانات المواطنين أن تدرك أن الثقة لا تُبنى بالإعلانات، بل بحماية المعلومات التي ائتمنها الناس عليها.
فحين تُسرَّب البيانات، لا يُسرق رقم هاتف فقط… بل قد تُسرق حياة كاملة.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أرشيف الإذاعة المصرية.. ذاكرة أمة لا تُقدّر بثمن




