كتب- أحمد أبو زيد
نحن نعيش في زمن لم يمرّ على البشرية مثله في كثرة الرفاهية وسهولة الحياة…
كهرباء ،ماء بارد وحار،إنترنت،سفر سريع،طب وعلاج،طعام متنوع،مساكن مريحة،سيارات.. العالم كله بين يديك بضغطة زر
بل إن كثيرًا من الناس يعيش اليوم في رفاهية لم يكن يملكها ملوك قبل مئات السنين!
ومع ذلك…
كثرت الغفلة…
وضعف الشكر…
وقلّت العبادة…
وانشغل الناس بالدنيا أكثر من أي وقت مضى!
لماذا؟!
قال تعالى:
﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]
المشكلة…
أن كثرة النعم قد تجعل القلب يألفها حتى لا يشعر بها!
الإنسان إذا اعتاد النعمة…
نسي قيمتها.
يستيقظ والكهرباء موجودة… فلا يشعر
يفتح الماء بسهولة… فلا يشعر
يأكل حتى يشبع… فلا يشعر
ينام آمنًا… فلا يشعر
ولو فُقدت هذه النعم ساعات قليلة فقط…
لعرف قيمتها فورًا!
ولذلك كان السلف أقرب للشكر منا رغم قلة ما عندهم…
كانوا يجوعون أيامًا
ويمشون مسافات طويلة
ويخافون الحروب والأمراض
ويحجون أشهرًا على الإبل
رحلة الحج قد تستغرق ستة أشهر أو أكثر…
وقد يموت الإنسان قبل أن يعود.
عطش
حر
قطاع طرق
أمراض
قلة الطعام
ومع ذلك…
كانت قلوبهم معلقة بالله…
أما اليوم…
فكل شيء ميسر تقريبًا…
لكن القلوب أصبحت مشغولة ومشتتة.
قال تعالى:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾…[التكاثر: 1]
نعم…
ألْهَتْنا الدنيا.
الهاتف يشغلنا
الأخبار تشغلنا
المقاطع تشغلنا
الأسواق تشغلنا
المباريات تشغلنا
مواقع التواصل تسرق الأعمار
حتى أصبح كثير من الناس:
متصلًا بالعالم كله…
لكنه مقطوع الصلة بالله!!
والسؤال المخيف…
لماذا لم نعبد الله حق عبادته رغم كل هذه النعم؟
لماذا لا نصلي كما ينبغي؟
لماذا نتكاسل عن الزكاة؟
لماذا يؤخر القادر الحج؟
لماذا ننسى القرآن؟
لماذا تمر الأيام بلا توبة حقيقية؟
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) .. [الانفطار: 6]
ما الذي جعلك تغفل رغم كرم الله؟
ما الذي جعلك تعصي وأنت تتقلب في نعمه؟
ما الذي جعلك تأمن مكر الله والموت قريب؟
إن من أخطر أسباب الغفلة:
أن النعم إذا كثرت ولم تُقابل بالشكر…
تحولت إلى استدراج.
قال تعالى:
﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾.. [الأعراف: 182]
ليس الخطر أن تملك النعمة…
بل الخطر أن تنسى المنعِم.
تأكل ولا تشكر
تنام ولا تصلي
تربح ولا تزكي
تضحك وتنسى الآخرة
تستخدم الإنترنت في كل شيء إلا طاعة الله
ولو نظر الإنسان قليلًا…
لوجد أن كثيرًا مما كان يتمناه سابقًا…
أصبح عنده اليوم!
لكنه لم يشكر…
بل طلب المزيد فقط.
قال تعالى:
﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾.. [سبأ: 13]
يا عبد الله…
أنت تعيش في زمن كثرت فيه النعم…
لكن كثرت فيه الفتن والغفلة أيضًا.
فاحذر أن تكون النعمة سببًا لبعدك عن الله بدل قربك منه.
قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾.. التكاثر: 8]
ستُسأل عن:
الكهرباء..الماء.. الطعام.. المال.. الوقت.. الهاتف.. البصر..الصحة…. الخ
فماذا أعددت للجواب؟!
اللهم لا تجعلنا من الغافلين…
واجعلنا من الشاكرين الذاكرين…
وأعنّا على الصلاة والزكاة والحج وسائر الطاعات…
ولا تجعل النعم سببًا لقسوة قلوبنا…
وأيقظنا من غفلتنا قبل الموت يا رب العالمين.




