كُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: التربية السياحية

تُعد السياحة واحدة من أهم ركائز الاقتصاد المصري، فهي ليست مجرد قطاع اقتصادي يوفر فرص العمل ويُسهم في زيادة الدخل القومي، بل تمثل أيضًا جسرًا للتواصل الحضاري والثقافي بين مصر وشعوب العالم. ومن هنا تبرز أهمية “التربية السياحية” باعتبارها أحد المفاهيم التربوية الحديثة التي ينبغي أن تحظى باهتمام كبير داخل المنظومة التعليمية، من خلال إعداد مناهج دراسية متخصصة تُغرس في نفوس الطلاب منذ الصغر.
إن السائح الذي يزور مصر لا يأتي فقط للاستمتاع بما تمتلكه من آثار وتاريخ وطبيعة خلابة، بل يُعد أيضًا مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي الذي يدعم الاقتصاد الوطني ويسهم في تمويل مشروعات التنمية. ولذلك فإن التعامل الراقي مع السائح يجب أن يكون ثقافة مجتمعية عامة تبدأ من المدرسة قبل أن تنتقل إلى سوق العمل ومختلف مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري وضع منهج للتربية السياحية يُدرَّس في المراحل التعليمية المختلفة، بحيث يتناسب محتواه مع عمر الطلاب ومستوى إدراكهم. ففي المراحل الأولى يمكن تعريف التلاميذ بأهمية السياحة ومعالم مصر التاريخية والحضارية، بينما تتوسع المناهج في المراحل المتقدمة لتشمل آداب التعامل مع الزائرين، وأهمية الحفاظ على المظهر الحضاري للمجتمع، وكيفية تقديم صورة إيجابية تعكس أصالة الشعب المصري وكرم ضيافته.
كما يمكن أن يتضمن المنهج أنشطة عملية ورحلات ميدانية إلى المواقع السياحية والمتاحف والأماكن الأثرية، بما يعزز ارتباط الطلاب بتاريخ وطنهم ويزيد من شعورهم بالفخر والانتماء. فكلما تعرّف الطالب على قيمة ما تمتلكه بلاده من كنوز حضارية، أصبح أكثر حرصًا على حمايتها والمحافظة عليها.
ولا تقتصر التربية السياحية على الجانب الثقافي فقط، بل تمتد إلى الجانب اللغوي أيضًا. فمن المهم أن يتلقى الطلاب قدرًا مناسبًا من اللغات الأجنبية الأكثر استخدامًا في القطاع السياحي، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية وغيرها، بما يمكنهم من التواصل الفعّال مع الزوار مستقبلاً. فإتقان اللغات لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة تفرضها متطلبات العصر وسوق العمل.
إن إدراج التربية السياحية ضمن المناهج الدراسية سيُسهم في إعداد جيل واعٍ بقيمة السياحة ودورها في دعم الاقتصاد الوطني، وقادر على التعامل الحضاري مع ضيوف مصر من مختلف الجنسيات والثقافات. كما سيعمل على تعزيز روح الانتماء الوطني لدى الطلاب، من خلال إدراكهم أن كل سلوك إيجابي يصدر عنهم تجاه السائح ينعكس بصورة مباشرة على سمعة مصر ومكانتها الدولية.
وفي ظل ما تمتلكه مصر من مقومات سياحية فريدة تجعلها واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم، فإن الاستثمار في التربية السياحية يعد استثمارًا في الإنسان المصري نفسه، وفي مستقبل قطاع يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي. فبناء الوعي السياحي لدى الأجيال الجديدة هو الطريق الأمثل للحفاظ على ريادة مصر السياحية وتعزيز قدرتها على جذب المزيد من الزوار عامًا بعد عام.
إن الوقت قد حان لأن تصبح التربية السياحية جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، ليس فقط من أجل تنمية المعرفة، بل من أجل صناعة مواطن يدرك قيمة وطنه، ويحسن تمثيله أمام العالم، ويسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانة مصر كواحدة من أعظم المقاصد السياحية على مستوى العالم.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي 

 اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: ماسبيرو والمسلماني.. الإنجازات وما تبقى منها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى