توبكُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب: في عيد ميلاده السادس والثمانين.. عادل إمام إن حكى

في مسرحية شاهد مشفش حاجة، يسأل سرحان عبد البصير (عادل إمام)، المقدم أحمد عبد السلام (عمر الحريري): «أنا اسمي مكتوب؟».
والإجابة، في يوم مولد الزعيم عادل إمام (١٧ مايو ١٩٤٠): اسمك مكتوب، لا أبالغ، اسمك محفور في قلوب الطيبين، ولا يفتأون يذكرونكم بكل الخير، جزاءً وفاقًا على حسن صنيعكم، رسمت البسمة على شفاههم، وحملت همومهم وجسدتها مرئية على الشاشة الفضية.
وبمناسبة لقب الزعيم، وهو حق مستحق للكوميديان الكبير عادل إمام، فالزعيم مسرحية كوميدية سياسية ساخرة، كان أول عروضها في العام (١٩٩٣م)، ومن هذا التاريخ صار الكبير «عادل إمام» زعيم الكوميديا، ولا يزال يخاطبه المحبون بالزعيم.
قد يكون اسم «زعيم» مشتقًا من الاسم العربي المذكر «زعيم»، ويعني القائد. وبالمثل، اسم «الزعيم» يعني «القائد»، ومع حفظ المقامات، حاز لقب الزعيم سياسيًا خالد الذكر جمال عبد الناصر، وحاز اللقب حزبيًا طيب الذكر خالد محيي الدين زعيم حزب التجمع اليساري، واحتكر الزعامة الفنية الكبير «عادل إمام».
**
لا أحتفي عادةً بأعياد الميلاد، وبيني وبين الفن وأهله مسافة كافية للمشاهدة من بعيد، ولكن عيد ميلاد الزعيم خليق بالاحتفاء.
احتفاء واحتفال بيوم ميلاد موهبة فنية مصرية خالصة، صناعة مصرية، جوهرة فنية جاد بها الزمان، عبقرية كوميدية تجاوزت محيطها الوطني إلى عالمها العربي، وغردت عالميًا، فصار كوميديان العرب الأول بلا منازع، متخطيًا الحدود، متجاوزًا اللهجات، فصار الزعيم الكوميدي الصامد في وجه الزمان، أطال الله عمره، ومتعه بالصحة والعافية.
لست مؤرخًا سينمائيًا، ولا ناقدًا فنيًا، ولكن محبٌّ على البعد لأبو رامي، تستلفتني ظاهرة العبقرية المصرية، وعادل إمام عبقرية كوميدية عابرة للأجيال، لفتت جيلي وأجيالًا سبقت، نحن أجيال «الأبيض والأسود» التي فغرت فاها على الألوان المبهرة في صالات العرض، ولا يزال الزعيم قادرًا على لفت أجيال الثورة الرقمية عبر محفوظات يوتيوب، كوميديان عابر للأجيال، زعيم حاضر بفنه عبر عقود مرت بمصر، عنوان رئيس لمدة نصف قرن من الزمان.
لا أزعم اقترابًا، ولكن كل من اقترب من محبته عاد يروي جانبًا من حياة الزعيم، وهي جديرة بالتسجيل الأمين، فإذا كان عادل إمام نال محبة الجماهير العربية، وفي القلب منها المصرية، وتربع على قمة الكوميديا في بلد الكوميديانات الكبار، فهذا يحتاج إلى تشخيص فني لعبقرية كوميدية باهرة.
معضلة، كيف ترسم نفسك كوميديانًا في بلد مفطور على الكوميديا، وشعب إذا لم يجد ما يسخر منه ضحك من نفسه؟ كيف تكون عادل إمام في شعب من الساخرين العظام؟..
تكر السنون صاخبة، والزعيم ينسج تاريخه الفني الخاص، أفلامه عناوين لمراحل من حياة المصريين، وشخوصه حاضرة في كل حارة وزقاق، وسخريته نابعة من معين لا ينضب، لقط إشارة المواطن المصري باكرًا، وضبط موجته على موجة الناس، فصار في قلب الشارع، لم يغادره، وبرغم الريح، وبرغم الجو الماطر والإعصار، لا يزالون ينتظرون منه طلة، الحاذقون متربصون بمذكرات الزعيم، هذا إن كان كتبها.
ميلاد الزعيم يتكرر كل عام في نفس اليوم (١٧ مايو)، ولكن ميلاده الفني، ومهده المسرحي، وشبابه السينمائي، وبلوغه الإبداعي كزعيم للقبيلة الفنية، يحتاج إلى مؤرخ فني حاذق.
**
في عيد ميلاده، نقتطف صورة من معاركه المقدرة في مواجهة الإرهاب، فالفن عند الزعيم رسالة ومهمة وطنية، مقولة شائعة، “من السهل أن تكون شجاعًا وأنت على مسافة آمنة ، على طريقة “خد لك ساتر”، ويقول “نابليون بونابرت”: “ما أسهل أن تتحدث عن الشجاعة وأنت بعيد عن أرض المعركة “، والشُجاع في المعجم، هو الجريء، رابط الجأش وثابت القلب، لا يستخفُّه الفَزَع، ذو قُوَّة وعَزْم، يُواجِه الأُمور بثَبات.
ويوم بعيد، استولى على البعض الفزع، ومكثوا في قعور بيوتهم حذر الإرهاب ، يفتح عادل إمام بابه، غير هَيّاب ، ويخرج على الناس معلنا سفرته إلى أسيوط، معقل تنظيم “الجماعة الإسلامية” الإرهابي، ليعرض مسرحيته في قلب المعركة المحتدمة في شجاعة نادرة استحق عليها لقبه الأثير (الزعيم).
معركة الزعيم في مواجهة الإرهاب تجسدت بعد رحلة أسيوط في ثلاثة أفلام تاريخية، أجمعت عليها المراجع السينمائية المعتبرة، واجه فيها ظاهرة الإرهاب بالكوميديا، ولا يفل الإرهاب سوى السخرية التي كانت سلاحا أمام الكوميديا، وأميرها، سخر من أمراء الدم، وأهدروا دمه، ولم يخش، ولم يخف، ولم تلن عريكته، ولم تهن عزيمته.
وقدم له طيب الذكر “وحيد حامد” رصاصة خارقة للدروع، سيناريو فيلم “الإرهاب والكباب” وتحمس عادل إمام، وتم إنتاجه عام 1992 ، وتدور أحداث الفيلم عن موظف بسيط الحال يدعى “أحمد” ولكن نتيجة عقبات إدارية وروتينية واجهته دخل في مشادة انتهت بقنص سلاح أحد الجنود ويحتجز الرهائن، وانتهت باقتحام قوات الأمن ” مجمع التحرير ” وعدم العثور على الإرهابي الذي قام بتلك الواقعة، والرسالة بعلم الوصول، كيف تصبح إرهابيا رغم عن أنفك، كيف يتم تصنيع الإرهابيين في أقبية المؤسسات الحكومية ؟!
وبعدها بعامين 1994 يطرح عادل إمام، فيلم “الإرهابي” في مواجهة صريحة مع الإرهاب، ويرتدي ملابس الأرهاب البيضاء ، ويرسم على وجهه مسوح الإرهابي “على عبد الظاهر” المنضم لإحدى الجماعات التكفيرية، ويتعرض لحادث سير عقب اغتياله أحد الضباط، وخلال معايشته للأسرة أثناء علاجه وتفاعله مع عدة مواقف، تتغير وجهة نظره وطريقة تفكيره ويكتشف مدى المغالطات التي تعلمها خلال انضمامه لتلك الجماعة، ونتيجة لرفضه أفكاره جماعته يتم قتله على أيديها.
ويعد هذا الفيلم من أكثر الأفلام أهمية في مسيرة الزعيم، لأنه تناول طريقة تعامل الجماعات التكفيرية من الداخل والخارج مع المنضمين إليها، وكذلك نظرتهم للمجتمع وقضاياه، كما قدم رصدًا لظاهرة العنف التي روعت مصر وقتئذ، مثال مهاجمة أوتوبيسات السياح واغتيال المفكر الكبير “فرج فودة” يرحمه الله.
وتم تصوير الفيلم بشكل سري خوفًا من انتقام الجماعات الإرهابية، وعند عرضه كانت قوات الأمن تقوم بحراسة دور العرض خوفًا من تنفيذ أي عمليات إرهابية انتقامية، كما تعرض القائمين على العمل لتهديدات الإرهابيين وتم تعيين حراسات أمنية لحمايتهم.
وقبل أن تلملم الجماعات الإرهابية ثيابها الملطخة بالدماء، يفجر الزعيم وقبل مرور عام 1995 ، قنبلته الكوميدية الثالثة في وجه الإرهاب، فيلم “طيور الظلام” الذى شرح طيب الذكر “وحيد حامد” المجتمع المصري من خلال قصة ثلاثة محامين أصدقاء، تفرقهم الظروف ومصالحهم، وهم “فتحي نوفل” الذى يستغل قدراته القانونية في الوصول لمركز مدير مكتب أحد الوزراء، و”على الزناتي” الذي ينضم إلى الجماعات المتطرفة ليحقق مكاسب مالية بالدفاع عنهم، و”محسن” ذو الميول الاشتراكية، الذي يعيش كموظف عادي، ويقبل وظيفة بسيطة ويكتفي براتبه فقط دون أي طمع في الحياة، والنهاية خرافية ..
**
صعب الإحاطة بظاهرة عادل إمام في سطور، وتظلمه عناوين الأفلام والمسرحيات والمسلسلات مجردة من سر الإبداع في شرائط هي دفتر أحوال المحروسة.
قصة الزعيم حتمًا ولابد أن يرويها عادل إمام شخصيًا، وهو بطبعه حكّاء، وما خفي من تقاطعاته الفنية مع عظماء، والسياسية مع زعماء، والبشر والحجر، عبر عقود مرت بالبلاد، وشهدت أحداثًا جسامًا تستأهل وقفة من الزعيم، يحكي فيها ما كان منه وكان منهم.
عادل إمام إن حكى، سيحكي طويلًا، لماذا لا يحكي عادل إمام الإنسان ما تيسر من سيرة عادل إمام الزعيم؟ رحلة شاقة قطعها حتى وصل إلى قمة جبل السعادة، وكل صعود قبله انكسار، ومن اختمار الحلم ييجي النهار، على رأي عمنا سيد حجاب.

 اقرأ أيضا

الإعلامي حمدي رزق يكتب: التسويق السياسي الغائب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى