الإعلامي حمدي رزق يكتب: التسويق السياسي الغائب
استوقف الرئيس عبد الفتاح السيسي بلطف ، المدير التنفيذى لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة العقيد دكتور بهاء الغنام، وهو يستعرض مدخلات ومخرجات مشروع ( الدلتا الجديدة ) ، طلب الرئيس من الدكتور بهاء مزيد من الشرح والاستفاضة لايصال رسالة المشروع لعموم المصريين ، وحجم العمل ، والتحدي ، والكلفة ، و الأهداف المحققة وسبل تنفيذها في قلب الصحراء .
ما تفضل به الرئيس يمكن إجماله في عبارة ( التسويق السياسي ) و هو أحد المصطلحات الحديثة والمعاصرة ، والمراد منه إيصال الأفكار والمشروعات إلي عموم المصريين ، كثيرة المشروعات القومية التي غاب عنها التسويق السياسي المطلوب ، و التسويق السياسي يتطلب مجموعة من الاستراتيجيات والتكتيكات معتمداً على الإعلام الحديث والدعاية المتطورة التي تتسم بالمعلوماتية والمصداقية .
التسويق السياسي، ما ينقص حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، حكومة لا تجيد التسويق السياسي، آلياتها التسويقية بيروقراطية عتيقة، لا تحلق بعيداً في الفضاء الإلكتروني، لا تزال تسعى على الأرض بسرعات سلحفائية لا تواكب العصر الرقمي، وليست على موجة الرأي العام الذي بات مبلبلاً تجاه سياساتها الاقتصادية والمجتمعية.. كلما انجزت مشروعا يناولونه ب حملات إجهاضية معتمدة علي نقص المعلومات علي وقتها .
الرئاسة المصرية نجحت في التسويق السياسي ( خارجيا ) اعتماداً على تحركات واعية وفاهمة للقيادة السياسية التي تتحرى موجة الرأي العام متناغمة مع تطلعاته وتلبي شواغله ببيانات مدققة وعلى وقتها، مستبطنة توجهات القيادة التي ترفدها بخطابات من المنصة الرئاسية شارحة للمواقف والاتجاهات والتحركات في محيطها العربي والإقليمي وامتداداتها عالمياً.
المنصة الحكومية لا تزال محلك سر، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، لم تشغل الفضاء الإلكتروني بعد، لم تملأ فضاءات المواطنين، الفضاء الخاوي هناك من يملؤه بلغو الحديث، بين الحكومة والمواطنين لا نقول أزمة ثقة ولكن فراغاً معلوماتياً، القرارات الحكومية قبل أن تصدر تواجه بحملة رفض عاتية، والحكومة في كل قرار رد فعل، لا تجيد التسويق السياسي، غائب تماماً عن أجندتها الإعلامية، وهذا ما يبلبل الناس حول قراراتها، أو مشروعات قوانينها، أو جولات (رئيس الحكومة) في حقول العمل والاستثمار وفي وسط البلد أخيرا .
غيبة التسويق السياسي وضعت الحكومة في منطقة رد الفعل، صار ما يصدر عنها في الغالب تصحيح ما هو منشور، وتوضيح وتصويب ما لم يصدر عنها، وفي كل هذه الحالات الحكومة متهمة إلى أن يثبت العكس، صحيح البينة على من ادعى، ولكن غيبة المدعي وحجته تغري بالمزيد من حملات الشك والتشكيك.
نموذج ومثال، تنشر الحكومة قراراتها في الجريدة الرسمية، قرارات مصمتة غير مشفوعة بإيضاح أو توضيح، ورغم أنها قرارات مدروسة وصارت محل التنفيذ، لكنها لم تُشرح للناس، وتتناقلها المواقع والصحف والبوابات الإلكترونية وتذاع على الشاشات دون حيثيات أو أسباب أو مسببات، وهذا يغري بالشك والتشكيك وحرف القرارات عن مقاصدها العليا، وغيبة التفسير خليقة بتفسيرات يعورها الصالح الوطني أو تتحري مقاصد الوطن العليا .
في يوم ليس بعيداً لفتنا رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إلى رقم مزعج ومقلق، مائة وخمسون مقالاً اقتصادياً عالميا منشوراً حول الاقتصاد الوطني لم يتحلَّ بالدقة بل محرفاً تمام التحريف، اكتفى بالحصر، ولكن الحكومة لم تسأل لماذا انحرفت هذه المقالات عن مقاصدها ، ولماذا لم تصلها صحيح المعلومات، والإجابة: هناك نقص فادح في إتاحة المعلومات على وقتها، وبطريقة سهلة وميسورة وعلى ألسنة ثقات الحكومة.
التسويق السياسي فن، وليس بجديد القول: هو تطبيق استراتيجيات وتقنيات التسويق التجاري في المجال السياسي، بهدف التأثير في الرأي العام، وبناء صورة ذهنية إيجابية، وإقناع الناس بأفكار وخطط وقرارات الحكومة، هل جربت الحكومة مثلاً الحملات التسويقية السابقة واللاحقة؟ هل لديها منظومة تسويق سياسي؟ هل هذا المصطلح وارد على دماغ الحكومة وهي تصدر قراراتها التي تمس أقوات الطيبين؟
لا أطلب تسويقاً عاطفياً، بصياغات تلعب فيها العواطف دوراً، ولكن المطلوب تسويقاً سياسياً، بصياغة رسالة سياسية ناضجة واحترافية تعتمد على المصداقية والمعلوماتية، تُسبِّب الأسباب، وتجلي الحيثيات بما يلامس شواغل المواطن ويجيب على أسئلته المشروعة.
نموذج ومثال، يُنشر في الجريدة الرسمية كل حين قرارات وزير الداخلية بسحب الجنسية أو ردها، دون أسباب، وهو قرار روتيني لكنه يتحول إلى إشكالية حقوقية دون حيثية، وسحب الجنسية له أسباب ليست بالضرورة أمنية، ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب الذي يتلبس من يطالع هذه القرارات المنشورة رسمياً، فيطمع الذي في قلبه مرض.
تخيل حكومة تتعرض سنوياً لنحو 90 ألف شائعة حسب حصر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (من مراكز الحكومة)، حجم الجهد المبذول لدحض هذا الكم المهول من الشائعات (10 شائعات في الساعة الواحدة)، والسبب غيبة التسويق السياسي، فراغ هائل من حول الحكومة، فراغ يغري بالمزيد من الشائعات التي تجهض صالح القرارات وتشوش عليها تخنقها في مهدها .
حجم الأعمال الحكومية الشاقة التي تضطلع بها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي في أجواء غير مواتية، ومثلها هيئات ومؤسسات وطنية منجزة ، تستوجب خلية تسويق سياسي احترافية تصد عنها هذا الوبال، وتذود عنها في الملمات، وتشرح القرارات، وتفسر القوانين، وتجلي صالح الأعمال.
أعلاه ليس من قبيل الكلام الساكت، وليس لدينا فسحة تسطير السطور ملئاً للفراغات، ولكنها معضلة تواجه حكومة (ممتحنة) في ظرف اقتصادي عصيب، يوم قريب قال الدكتور مصطفى مدبولي جملة (اقتصاد حرب) وكان يقصدها، ولكنه لم يكررها بعد هجمات معاكسة شرسة، ولم يتطوع هو أو أحد وزرائه بالشرح والتفسير، وها هي الأيام تثبت حاجتنا إلى احترازات اقتصاد الحرب، لم يكن الدكتور مدبولي يتنبأ، ولكنه كان يستقرئ المشهد، ولكنه لم يشرح نفسه ولا ما قال به يومها، فنال جزاء سنمار في الفضاء الإلكتروني.
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: من الرأس الأخضر إلى جزر الكناري قصة سفينة لا تجد مرفأ تأوي إليه !!




