توبكُتّاب وآراء

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: كيف تستفيد الدول من الزبالة ؟

لم تعد الزبالة في نظر الدول المتقدمة مجرد مخلفات يجب التخلص منها، بل أصبحت ثروة اقتصادية ومصدرًا مهمًا للطاقة والاستثمار وفرص العمل. فبينما تنظر بعض المجتمعات إلى القمامة باعتبارها عبئًا بيئيًا وصحيًا، تنظر إليها دول أخرى باعتبارها “منجمًا فوق الأرض” يمكن استغلاله لتحقيق أرباح ضخمة وحماية البيئة في الوقت نفسه.

لقد نجحت العديد من الدول في تحويل المخلفات إلى صناعة متكاملة تدر مليارات الدولارات سنويًا، وتساهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتقليل نسب التلوث، والحفاظ على الموارد الطبيعية.

الزبالة تتحول إلى طاقة

من أبرز صور الاستفادة من المخلفات، تحويلها إلى طاقة كهربائية أو حرارية. ففي دول مثل السويد وألمانيا واليابان، يتم حرق النفايات في محطات متخصصة تنتج الكهرباء والتدفئة للمنازل والمصانع.

السويد على سبيل المثال أصبحت من الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال، حتى إنها تستورد النفايات من بعض الدول الأوروبية لتشغيل محطات الطاقة الخاصة بها، بعد أن نجحت في إعادة تدوير معظم مخلفاتها المحلية.

هذا النموذج لا يحل فقط مشكلة تراكم القمامة، بل يوفر أيضًا مصدرًا مستدامًا للطاقة ويقلل الاعتماد على الوقود التقليدي.

إعادة التدوير… اقتصاد من نوع جديد

إعادة التدوير من أهم وسائل الاستفادة من المخلفات، حيث يتم فرز البلاستيك، والزجاج، والورق، والمعادن، وإعادة تصنيعها مرة أخرى بدلًا من التخلص منها.

ألمانيا تُعد من أفضل النماذج العالمية في هذا المجال، حيث تمتلك نظامًا دقيقًا لفرز النفايات من المنازل نفسها، مما يسهل عملية التدوير ويحقق أعلى استفادة ممكنة.

هذا القطاع يخلق آلاف فرص العمل، ويقلل من استيراد المواد الخام، ويخفض تكلفة الإنتاج الصناعي، مما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني.

المخلفات العضوية… سماد وغاز حيوي

المخلفات الغذائية والزراعية تمثل كنزًا آخر يمكن استغلاله بذكاء. فبدلًا من تركها تتحلل بشكل عشوائي وتسبب روائح وتلوثًا، يتم تحويلها إلى سماد عضوي عالي الجودة أو إلى غاز حيوي يستخدم في الطهي وتشغيل بعض المنشآت.

الهند والصين من أبرز الدول التي توسعت في هذا المجال، خاصة في المناطق الريفية، حيث ساعد ذلك في دعم الزراعة النظيفة وتوفير مصادر طاقة منخفضة التكلفة.

الزبالة الإلكترونية… ذهب جديد

مع التطور التكنولوجي الهائل، ظهرت مشكلة جديدة وهي المخلفات الإلكترونية مثل الهواتف القديمة، وأجهزة الكمبيوتر، والبطاريات.

لكن بعض الدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية استطاعت استخراج المعادن الثمينة مثل الذهب والنحاس والفضة من هذه المخلفات، وتحويلها إلى مصدر دخل ضخم.

بل إن اليابان استخدمت معادن مستخرجة من الأجهزة الإلكترونية القديمة في تصنيع بعض ميداليات أولمبياد طوكيو، في رسالة واضحة تؤكد قيمة ما نعتبره “نفايات”.

التحدي في الإدارة وليس في الإمكانيات

المشكلة الحقيقية ليست في وجود الزبالة، بل في كيفية إدارتها. فالدول التي نجحت لم تكن تملك قمامة أقل، لكنها امتلكت رؤية واضحة، وتشريعات صارمة، واستثمارات حقيقية، وثقافة مجتمعية تؤمن بأن المخلفات مورد اقتصادي لا يجب إهداره.

أما في كثير من الدول النامية، فما زالت القمامة تُترك في الشوارع أو تُحرق بشكل عشوائي، مما يؤدي إلى خسائر صحية واقتصادية وبيئية كبيرة.

مصر والفرصة الكبيرة

تمتلك مصر فرصة ضخمة للاستفادة من المخلفات، سواء المنزلية أو الزراعية أو الصناعية، خاصة مع الزيادة السكانية الكبيرة. ويمكن أن تتحول القمامة من أزمة مزمنة إلى مشروع قومي يحقق عوائد اقتصادية هائلة إذا تم التعامل معها بمنظور استثماري حديث.

القطاع الخاص يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في هذا المجال، إلى جانب دعم الدولة، ونشر ثقافة الفرز من المنبع، وتطوير مصانع التدوير والطاقة.

الزبالة ليست نهاية الأشياء، بل قد تكون بداية لفرص جديدة وثروات غير متوقعة. الدول المتقدمة لم تتخلص من القمامة فقط، بل صنعت منها اقتصادًا قويًا وطاقة نظيفة وبيئة أفضل.

وعندما ندرك أن ما نرميه اليوم قد يكون ثروة الغد، سنفهم أن التنمية الحقيقية تبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء… حتى من الزبالة.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: احتكار المثلث وشنطة الإسعاف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى