ممدوح بدوي يكتب: بهاء الغنام.. من “قمرة القيادة” إلى معركة السيادة الغذائية
لا يمكن قراءة المشهد التنموي في مصر الراهنة بمعزل عن فلسفة “الإدارة بالنتائج” التي باتت نهجاً للدولة المصرية. وفي قلب هذا المشهد، تبرز تجربة الدكتور بهاء الدين الغنام، المدير التنفيذي لجهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، كنموذج حي للتحول من التخطيط النظري إلى التنفيذ الميداني الجسور. إنها رحلة بدأت من سماء مصر كطيار مقاتل، واستقرت في قلب صحرائها لتصيغ مفهوماً جديداً للأمن الغذائي.
عقيدة الانضباط: المحرك السري للإنجاز
إن اختيار كادر بخلفية عسكرية لقيادة أحد أضخم الملفات الاقتصادية لم يكن محض صدفة؛ فالمهام القومية الكبرى تتطلب “عقيدة تنفيذية” صارمة. لقد نقل الغنام قيم المؤسسة العسكرية — من دقة التخطيط، وإدارة الأزمات، والعمل تحت الضغط — إلى ساحة الإنتاج المدني. في مقعد القيادة بـ “مستقبل مصر”، لم تعد الساعة الرملية هي المقياس، بل أصبحت “الإنجازات الاستباقية” هي المعيار، وهو ما نلمسه في إنهاء بنية تحتية لمساحات شاسعة قبل جداولها الزمنية المقررة.
الدلتا الجديدة.. إعادة هندسة الجغرافيا المصرية
لم يعد مشروع “الدلتا الجديدة” مجرد رقعة زراعية مضافة، بل هو مشروع “إعادة هندسة” للدولة. نحن نتحدث عن استهداف استصلاح *2.2 مليون فدان*، تدعمها منظومة مائية هي الأضخم عالمياً. لقد نجح الجهاز في تطويع التكنولوجيا عبر محطات معالجة مياه عملاقة دخلت موسوعة الأرقام القياسية، مما يؤكد أن الإرادة المصرية قادرة على قهر التحديات البيئية والمناخية وتحويل الندرة المائية إلى وفرة إنتاجية.
الاقتصاد التكاملي: الدولة والقطاع الخاص في خندق واحد
أحد أهم ملامح نجاح الغنام هو ترسيخ نموذج “الشراكة الذكية”، فلم ينعزل الجهاز عن السوق، بل فتح أبوابه لكبرى القلاع الصناعية والإنشائية الوطنية (مثل السويدي إليكتريك، حسن علام، سياك، وريدكون). هذا التكامل خلق بيئة عمل تنافسية تضمن أعلى معايير الجودة العالمية، وتحول المشروع من مجرد استصلاح أراضٍ إلى “مجتمعات تنموية متكاملة” تشمل التصنيع الغذائي، التخزين الاستراتيجي، والخدمات اللوجستية.
4.5 مليون فدان.. رؤية 2027
إن الطموح الذي يقوده الغنام لا يتوقف عند حدود الدلتا الجديدة، بل يمتد ليرسم ملامح مستقبلية طموحة تستهدف الوصول إلى 4.5 مليون فدان بحلول عام 2027.
هذه المساحات الموزعة بين المنيا، وأسوان، والواحات، ليست مجرد أرقام في تقارير، بل هي “صمام أمان” للأجيال القادمة، وخط دفاع أول ضد تقلبات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
كلمة أخيرة..
إن تجربة بهاء الغنام تعيد تعريف “ثقافة المواطن” حول مفهوم العمل الوطني؛ فهي تثبت أن النجاح ليس في امتلاك الموارد فحسب، بل في “عقيدة الإدارة” التي تحرك هذه الموارد. من السماء كان يحمي الحدود، ومن الأرض اليوم يبني الوجود.. إنها معركة الكرامة الغذائية التي تخوضها مصر بكل شرف وإصرار.

كاتب المقال: المهندس ممدوح بدوي ..مقدم برنامج “ثقافة مواطن”
ممدوح بدوي يكتب: سفينة التجلي.. حينما تعانق الهندسة قدسية المكان




