توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: بعد المعاش

حين يصل الإنسان إلى مرحلة المعاش، يظن البعض أنها محطة هدوء وانسحاب، بينما هي في حقيقتها بداية مختلفة تماماً؛ بداية تتحرر فيها من قيود الوظيفة، وتستعيد فيها ملكية وقتك، وتعيد اكتشاف نفسك بعيداً عن الروتين اليومي. المعاش ليس نهاية العطاء، بل فرصة لإعادة توجيه الخبرة، وتنمية المهارات، وتوظيف الإمكانيات التي تراكمت عبر سنوات طويلة.
أولاً: تنمية المهارات… الاستثمار في الخبرة
سنوات العمل لم تذهب سدى؛ لقد كوّنت لديك خبرة عملية، وفهماً عميقاً للحياة والمجال الذي عملت فيه. بعد المعاش، تصبح هذه الخبرة مادة خام قابلة للتطوير.
اقرأ في مجالات جديدة توسّع أفقك.
تعلّم مهارة مكملة لتجربتك، مثل الكتابة، الإلقاء، التدريب، أو حتى التقنيات الرقمية الحديثة.
شارك في دورات قصيرة تُحدّث أدواتك وتجعلك مواكباً للعصر.
تنمية المهارة بعد المعاش لا تعني البدء من الصفر، بل تعني البناء فوق قاعدة صلبة من التجربة.
ثانياً: توظيف الإمكانيات… إعادة تعريف الدور
كثيرون يحصرون أنفسهم في مسمى وظيفي سابق، بينما الإمكانيات الحقيقية أوسع من ذلك بكثير.
اسأل نفسك: ما الذي أجيده فعلاً؟ ما الذي يطلبه مني الآخرون دائماً؟ ما الخبرة التي يمكن أن أقدّمها؟
قد تتحول خبرتك إلى:
استشارات متخصصة.
كتابة مقالات أو تأليف أعمال إذاعية وأدبية.
تقديم ورش تدريبية للشباب.
المشاركة في مبادرات مجتمعية وثقافية.
بعد المعاش، يصبح العمل اختياراً لا التزاماً، وهذا يمنحك حرية توظيف قدراتك في الاتجاه الذي يناسب قناعاتك.
ثالثاً: استثمار الوقت… أثمن ما تملك
أكبر مكسب بعد المعاش هو الوقت.
لكن الوقت إن لم يُخطط له، قد يتحول إلى فراغ مرهق.
ضع لنفسك برنامجاً مرناً:
ساعات للقراءة والكتابة.
وقت للنشاط البدني والصحة.
مساحة للقاء الأصدقاء والعائلة.
مشروع شخصي تعمل عليه باستمرار.
حين يصبح لليوم هدف، يتحول المعاش إلى مرحلة إنتاج لا مرحلة انتظار.
رابعاً: العلاقات… رأس مال غير مرئي
سنوات العمل كوّنت شبكة علاقات واسعة. هذه العلاقات ليست مجرد معارف عابرة، بل هي رأس مال اجتماعي مهم.
حافظ على التواصل المنتظم.
شارك بخبرتك دون مقابل أحياناً لبناء حضور معنوي.
كن جسراً بين الأجيال، تنقل المعرفة وتفتح الأبواب.
العلاقات بعد المعاش قد تفتح فرصاً لم تكن تتخيلها، لأن الناس تثق في صاحب الخبرة المتجرد من المصالح الضيقة.

المعاش ليس تقاعداً عن الحياة، بل انتقال من وظيفة محددة إلى دور أوسع.
هو فرصة لإعادة اكتشاف الذات، وتنمية المهارات، وتوظيف الإمكانيات بحرية، واستثمار الوقت بوعي، وبناء حضور إنساني وثقافي متجدد.
القيمة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء بطاقة العمل، بل تستمر ما دام العقل يفكر، والقلب ينبض بالشغف.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الأسرة المصرية هي الوطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى