
كتب- أحمد أبو زيد
قال تعالى في سورة الواقعة .. إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة . خافضة رافعة . إذا رجت الأرض رجا . وبست الجبال بسا . فكانت هباء منبثا..
وقعت الواقعة كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد القيامة، وصفت بالوقوع; لأنها تقع لا محالة.
فكأنه قيل: إذا وقعت التي لا بد من وقوعها، ووقوع الأمر يعني نزوله.
يقال: وقع ما كنت أتوقعه، أي: نزل ما كنت أترقب نزوله.
ولا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، كقوله تعالى: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم [الشعراء: 201].
ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة [الحج: 55].
واللام مثلها في قوله تعالى: يقول يا ليتني قدمت لحياتي [الفجر: 24]. أو: ليس لها نفس تكذبها
أي: إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد خافضة رافعة على: هي خافضة رافعة، ترفع أقواما وتضع آخرين: إما وصفا لها بالشدة، لأن الواقعات العظام كذلك، يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس، وإما لأن الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات.
وإما أنها تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارها، فتخفض بعضا وترفع بعضا: حيث تسقط السماء كسفا وتنتثر الكواكب وتنكدر وتسير الجبال فتمر في الجو مر السحاب.
وقرئ: “خافضة رافعة” بالنصب على الحال “رجت” حركت تحريكا شديدا حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء.
وبست الجبال وفتت حتى تعود كالسويق، أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها.. كقوله: وسيرت الجبال [النبإ: 20].
الجبال تُفتت تفتيتاً شديداً حتى تصبح كالرمل الدقيق جداً أو كالسويق (طحين مخلوط بماء أو سمن).
عبارة “وبُسَّت الجبالُ بَسًّا” تعني أن الجبال فُتت تفتيتًا شديدًا حتى أصبحت مثل الدقيق أو السويق (الفتات)، وذلك يوم القيامة حيث تُزلزل الأرض وتُدمر الجبال وتُصبح هباءً منثورًا.
“منبثا” متفرقا.. وقرئ بالتاء أي: منقطعا.. وقرئ: “رجت وبست” أي: ارتجت وذهبت.
أي: تخفض وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض.
الجبال والإعجاز القرآني:
و الناظر لحال الجبال في الدنيا يراها أمام عينيه ثابتة لا تتحرك، في حين أنها تسير سير السحاب في السماء، ولكننا لا نشعر بهذه الحركة، وهذا من قبيل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
فقد أثبت القرآن هذه الحقيقة العلمية قبل أن يعرفها العلماء في العصر الحديث بأكثر من 1400 سنة .. وهو مايُعد إعجازا.
و الآيات التي تتحدث عن أحوال الجبال يوم القيامة كل منها تتحدث عن حالة مختلفة للجبال.. وهي:
- حالة تفتت الجبال وصيرورتها رملا سائلا: فأول شئ يحدث للجبال يوم القيامة هو اقتلاعها من أماكنها، ثم جعلها كالرمل.
- صيرورة الجبال كالعهن المنفوش: فبعد أن يقلع الله – سبحانه وتعالى – الجبال قلعا من أصولها، ويصيرها رملا سائلا يسيل سيلا، بعد ذلك يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا.
- جعل الجبال هباء منبثا: فبعد أن تبس الجبال تصير غبارا متفرقا منتشرا.
- صيرورة الجبال سرابا: فبعد أن تقلع الجبال عن مواضعها، وتسير عن أماكنها في الهواء فتكون هباء منبثا، فحينئذ يظنها الناظر سرابا، فالجبال صارت لا شيء في آخر مرحلة من مراحلها يوم القيامة.
- أما مرور الجبال كالسحاب، فهذا وصف لجبال الدنيا لا جبال الآخرة، فإن الناظر إليها في الدنيا يظنها ثابتة لا تتحرك، في حين أنها تسير سير السحاب في السماء، وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن. وعليه، فلا تناقض بين هذه الآيات.