الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: حين ننجو من الموت ونخسر الحياة
في بلادي، لا يُقاس الموت بتوقّف القلب، بل بانطفاء الأحلام في صدور أصحابها.
فكم من حيٍّ يمشي بيننا وقد دفنته الظروف قبل أن يدفنه التراب. وكم من وجهٍ يبتسم في الصباح، فيما يحمل خلف ابتسامته مقبرةً صغيرة لأمنياتٍ لم تجد طريقها إلى الحياة.
لم تعد الحياة تسمح لنا بالحلم، والاختيار، ودهشة البدايات.
كل يوم نستيقظ لنحصي ما تبقّى لنا من قدرةٍ على الاحتمال.
أن نخطّط للغد لأننا نشتاق إليه، لا لأننا نخشى مفاجآته.
نحن لا نخشى الموت بقدر ما نخشى أن نمضي أعمارنا في النجاة، دون أن نحظى بفرصةٍ واحدة لنعيش.
حزنت عندما سألت جارتي الصديقه الصدوقة ذات صباح: ما حلمك الذي ما زلت تتمسّك به؟ فأجابت ضاحكة: أن أستيقظ يومًا فلا أبدأ نهاري بالتفكير في كيفية تدبيره! وأن أشرب فنجان قهوتي على مهل، من دون أن أحسب ثمنه، وأن أشتري لابني ما يلزمه للمدرسة ، دون أن أُجري اجتماعًا طارئًا مع جيبتي وأستمع إلى اعتراضاتها المالية!
ضحكنا ضحكة تشبه البكاء المؤجّل؛ فقد أصبح الحلم البسيط مشروعًا يحتاج إلى دراسة، والفرح الصغير قرارًا يحتاج إلى موافقة الظروف، وحتى راحة البال صارت أمنيةً نؤجّلها إلى إشعارٍ آخر.
وهنا تكمن المأساة؛ حين تضيق الحياة بالإنسان إلى درجةٍ يصبح فيها عجزه عن تحقيق أبسط رغباته مادةً للسخرية، فيضحك كي لا ينهار، ويمزح كي لا يعترف كم أثقلته الأيام.
إنّ أخطر ما تفعله الظروف بالإنسان ليس أنها تأخذ منه المال أو الفرص، بل عندما تقنعه، مع مرور الوقت، بأنه لا يستحق أكثر مما ناله، وأن الأحلام الكبيرة ليست له، وأن عليه أن يشكر الحياة لمجرد أنها لم تأخذ منه ما تبقّى.
لكن الإنسان لم يُخلق ليكون خبيرًا في النجاة وحدها؛ خُلق ليحبّ، ويكتشف، ويخطئ، ويبدأ من جديد، ويترك أثرًا يدلّ على أنه مرّ من هنا يومًا بقلبٍ حيّ.
فالمكان والوطن ليس أرضًا نُولد فوقها فقط، بل مساحةٌ تسمح لأحلامنا أن تكبر دون خوف، ولأطفالنا أن يرسموا مستقبلهم بألوانهم، لا بألوان العجز الذي ورثوه عن الكبار.
الوطن الذي يخاف فيه الإنسان من الغد، ويعتذر فيه عن أحلامه، يحتاج إلى أن يستعيد معنى الحياة قبل أن يستعيد أيّ شيءٍ آخر.
نحن لا نريد حياةً مثالية، ولا سماءً تمطر ذهباً ، نريد فقط أن يكون للجهد معنى، وللتعب ثمرة، وللصبر نهاية، وللإنسان حقٌّ في أن يفرح دون أن يشعر بالذنب، وأن يحلم دون أن يعتذر، وأن يعيش دون أن يضطر كل يومٍ إلى إثبات قدرته على البقاء.
فما أقسى أن يقضي الإنسان عمره كلّه وهو ينجو من الموت، ثم يكتشف في آخر الطريق أنه لم يعش.
اقرأ أيضا– الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: الإنسان مقبرة لأخيه الإنسان




