توبكُتّاب وآراء

د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: إنهم يعيشون على سفك الدماء !

تنفرد إسرائيل بأنها كيانُ “وظيفىُ” صُمم خِصيصاً ليخلق حالة حرب دائمة وإستنزاف مستمر للمنطقة يعتمد على الإقتتال شرياناً للحياة دون توقف خشية الموت البطىء “كلما أوقدوا نار للحرب أطفأها الله”(المائدة) !! ..وذلك على غير التصنيفات الشكلية الظاهرة للدول والأنظمة على مستوى العالم.

ولكن .. لماذا تعيش إسرائيل على سفك الدماء ؟؟ ولماذا تعتبر مصر العدو الأبدى الوحيد ؟؟ ثم لماذا لا ترى مصر مصالحها مع إسرائيل واليهود كمَا يفعل الخليج ؟؟ وماذا يحدث لو إمتلكت تل أبيب الثقةبالتفوق على الجيش المصرى؟؟ وما هو المنظور الإسرائيلى لإتفاقيات السلام والمعاهدات مع جيرانها ؟؟..

نعم يمثل الإقتتال المستمر وإشعال الحروب والإعتداء الغاشم على الآخرين وسفك الدماء بالباطل ، والتاريخ يحكى ، واحداً من أبجديات تأسيس هذا الكيان للبقاء والحياة والديمومة ، بما إنعكست هذه الحقيقة المرعبة على سبل ومناحى الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية داخل هذا المجتمع ، رغم العزلة التى أصابته حتى من المنتمين لبنى جلدته من اليهود الغربيين …

ورغم أن هذه الفرعنة الشكلية التى يحيط “الكيان” نفسه بها عن كون قلعة للديمقراطية والتقدم العسكرى الصناعى التى لا يزيد عن منطقة صناعية صغيرة فى منطقة صحراء النقب ، وهى الصورة التى خدعت البسطاء فى منطقتنا عنه ، إلا أنها تتنافى مع الواقع المتمثل فى إقتصاد منهار ترتفع فيه معدلات البطالة وتتراجع فيه فرص العمل وتجتاح شوارع تل أبيب المظاهرات ، فى وقت تعتمد فيه الدولة على القروض والمساعدات الضخمة وتفتح لها مخازن السلاح الأمريكية بلا توقف ..

اقرأ أيضا– د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الإمام الحسين وقدسِية الكلمة

ساعد على تأكيد هذه الصورة المزيفة الكيان ، قيامه ببيع سلاحه لنحو إحدى عشرة دولة أوروبية بينها ألمانيا وهولندا ورومانيا ، لكونِه سلاحاً مجرباً على مدار الساعة فى إذهاق أرواح الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وأخيراً فى أبناء الشعوب الإيرانية واليمنية والعراقية..

فالإستمرار فى الإقتتال هو شريان الحياة لإقتصادها وجيشها وحكومتها بل وبقائها ، وهذا ما يبرر تملصها المستمر من الإتفاقيات والمعاهدات لأنها دولة تتمدد بالحروب وتنكمش بالسلام  ..

كما أن ديدنها دائماً إلى جانب ذلك هو تأليب الشعوب على أنظمة حكمها وإثارة القلاقل داخلها وهو ما عبر عنه دون مواربة أو خجل أحد رموز حكومتها بتسائيل سموريتش وزير المالية عندما قال : نحن نهدم الدول بكسر إرادة شعوبها وتدهور معيشتهم..

ولهذا كان طبيعياً تملصها المستمر خلال العشر سنوات الأخيرة من إتفاقيات منظمة التحرير وإتفاق الهدنة مع لبنان وعشرات الإتفاقيان مع قطاع غزة وأخيراً إتفاق الهدنة مع سوريا عام 1974 ..

ولو كانت تل أبيب لديها القدر القليل من الثقة بأنها تتفوق على الجيش المصرى لألقت بإتفاقية كامب ديفيد فى سلة المهملات وشرعت فى الهجوم على الفور على مصر غير أنها تدرك مدى عنفوان الجيش المصرى ، ولننسىهنا مسرحية “التطبيع المزيف” لاسيما مع دولة تعيش على سفك الدماء تتمدد بالحروب وتنكمش بالسلام ..

ولولا القوة الدبلوماسية المصرية وقوة الردع الرهيبة للجيش المصرى لكانت الأمور فى الخليج قد ذهبت إلى أسوأ كابوس يتخيله المرء ، فجميع الدول العربية من المغرب والخليج والشام والسودان تفهم جيداً أن الجيش المصرى هو درع الأمة الحقيقى ..

ويتساءل البعض لماذا لا توجد مصالح مشتركة بين إسرائيل ومصر خاصة بعد توقيع إتفاق السلام ، لأنه ببساطة ، أن تل أبيب يمكن أن تقيم مصالح مشتركة مع أى دولة إلا مصر ، لأنها صُنعت لتكون فى حالة عداء دائم مع مصر بالذات ، وحتى بعد معاهدة 1979 الحرب مستمرة ولكن بأدوات أخرى ، والسبب أن هذا الكيان مجرد أداة وظيفية للحرب فى إيران والشام والعراق وباقى الإقليم ، فهو ليس سوىكياناً عازلا وحائط صد صمم عمداً ليقف بين مصر وإمتدادها التاريخى فى الشام ومنطقة الأناضول ..

إنها ببساطة سيناريوهات اللعبة الكبرى التى تدار فى الخفاء وتحكمها المصالح السرية التى لا يعلم أبعادها سوى القلة من المراقبين وصناع القرار فى الأروقة الداخلية والخارجية ولا يتكشف منها سوى النذر القليل مما يجرى وراء الكواليس ..

لقد غيرت مصر إستراتيجيتها العسكرية تماماً وأصبح لها قواعد برية مدعومة بالمقاتلات منتشرة خارج حودها فى الخليج والقرن الأفريقى وغيرها ، وبغض النظر عن الإختلافات والتباينات فى وجهات النظر فإن أى قطعة سلاح إسرائيلية تصل إلى أى دولة عربية أو خليجية إلا ويتم إرسال نموزج دقيق منها إلى مصر وهذه هى القاعدة الصلبة للعسكرية العربية ، إنطلاقاً من أن هذه الدول حتى فى ذروة خلافاتها مع مصر تدرك يقيناً أن الجيش المصرى هو خط الدفاع الأول عن الأمة العربية جمعاء..

وأخيراً ، مصر لا تتخذ مواقفها بدافع الحب والكراهية العمياء بل تقرأ التاريخ جيداً وتعرف من صمم لإستنزافها ، ومن زرع التوتر الدائم فى الإقليم ، قد تختلف وتتفق مع أشقائها وتتنافس وتتعاون مع قوى كبرى إلا إسرائيل التى يرتبط بقائها ببقاء المنطقة فى صراع دائم ومصر فى القلب من هذا الصراع ..

وفى النهاية ستبقى مصر هى الدولة الوحيدة فى الشرق الأوسط التى تحسب لها القوى الإقليمية والدولية ألف حساب قبل أن تخطوا خطواتها القادمة ، لاسيما فى ظل مناخ تتغير وتتبدل فيه الموازين والتحالفات بين ساعة وأخرى يتخللها الصعود والهبوط المستمر بين القوى المختلفة…

اقرأ أيضا– د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الوصول إلى البحر بالإتفاق لا بالإستقواء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى