أوراق النصر
الإعلامية- أمل مسعود
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن صباح مصر عاديًا.
كانت شمس أكتوبر تشرق على وطن ينتظر لحظة طال انتظارها.
وكنت في المرحلة الابتدائية، لكن مشهد ذلك اليوم ظل محفورًا في الذاكرة.
كان الهواء يحمل إحساسًا مختلفًا، وكأن مصر كلها كانت تنتظر خبرًا يغير التاريخ.
فالسادس من أكتوبر لم يكن مجرد يوم في التقويم.
كان يومًا اجتمعت فيه إرادة شعب مع عزيمة جيش.
وفي الثانية ظهرًا بدأت القوات المصرية عملية العبور عبر قناة السويس.
وتقدمت القوات تحت غطاء جوي ومدفعي كثيف.
وعبر الجنود القناة إلى الضفة الشرقية، وارتفع علم مصر هناك من جديد.
وكان عبور قناة السويس وكسر تحصينات خط بارليف من أبرز مشاهد الأيام الأولى للحرب.
واستخدم المهندسون العسكريون مضخات المياه لفتح ممرات في الساتر الترابي.
ثم أقيمت الكباري وبدأ تدفق القوات والمعدات إلى سيناء.
وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات يقود الدولة في تلك المرحلة.
كما كان للقوات المسلحة وقادتها وضباطها وجنودها دور أساسي في إدارة المعركة.
ولم يكن النصر وليد لحظة واحدة، بل نتيجة إعداد وتخطيط وتدريب طويل.
فقد بدأت مراحل الإعداد والتخطيط قبل الحرب بسنوات.
وكان خلف هؤلاء الجنود شعب كامل يعيش لحظة تاريخية.
أسر تنتظر أبناءها، وأمهات تدعو، وعمال وموظفون وطلاب يؤدون أدوارهم.
كان الجميع يشعر أن الدفاع عن الأرض مسؤولية لا تخص فردًا واحدًا.
إنها مسؤولية وطن بأكمله.
ولهذا بقيت حرب أكتوبر في الذاكرة المصرية باعتبارها قصة تضحية وصمود.
قصة جندي حمل سلاحه وهو يعرف أن خلفه وطنًا ينتظر منه الكثير.
وقصة أسرة تحملت القلق والفراق من أجل الوطن.
وقصة شعب آمن بقدرة أبنائه على استعادة الأرض والكرامة.
ولم تتوقف قصة أكتوبر عند أيام القتال.
فالحرب فتحت الطريق أمام مرحلة من المفاوضات التي انتهت لاحقًا بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
واكتمل الانسحاب الإسرائيلي من معظم سيناء في أبريل 1982، بينما عادت طابا إلى مصر عام 1989 بعد التحكيم الدولي.
وبعد مرور 53 عامًا على نصر أكتوبر العظيم،
نقف أمام عالم مليء بالتحديات والأزمات والتغيرات.
وتظل الدروس التي تركها أكتوبر حاضرة أمامنا.
أول هذه الدروس أن قوة الوطن تبدأ من وعي أبنائه.
وأن الانتماء ليس مجرد كلمات نقولها في المناسبات.
الانتماء مسؤولية، وعمل، وحفاظ على الوطن ومقدراته.
ومن واجبنا أن نعلم أبناءنا وأحفادنا تاريخ بلادهم.
وأن نخبرهم كيف صنع المصريون في أكتوبر لحظة فارقة في التاريخ.
وأن نعلمهم أيضًا أن الشائعة قد تهدم، وأن الوعي يحمي.
وأن المعرفة والتنوير هما خط الدفاع الأول أمام التضليل.
نحن بحاجة إلى أجيال تعرف تاريخها، وتحترم وطنها، وتختلف دون أن تنقسم.
أجيال تؤمن بأن مصر جزء أساسي من محيطها العربي والأفريقي.
وأن التعاون والوحدة والتكامل بين الشعوب يمكن أن يصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا.
وفي ذكرى أكتوبر، لا نتذكر فقط لحظة رفع العلم.
بل نتذكر كل يد ساهمت، وكل جندي ضحى، وكل أسرة صبرت.
نتذكر الذين خاضوا المعركة، والذين وقفوا خلفهم، والذين رحلوا وهم يدافعون عن الأرض.
رحم الله شهداء مصر، وحفظ جيشها وشعبها.
وحفظ مصر الغالية، والوطن العربي والأفريقي.
ولتظل ذكرى أكتوبر درسًا في التضحية والوعي والانتماء.
وتحيا مصر حرة أبية.




