توبكُتّاب وآراء

د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: الإعلام بين صناعة الوعي وصناعة الوهم

لم يعد الإعلام العربى مجرد وسيلة لنقل الخبر أو متابعة الأحداث، بل أصبح إحدى أهم أدوات التأثير فى تشكيل الوعى العام  وصناعة الصورة الذهنية، والتأثير فى إدراك الشعوب لما يجرى حولها.

الحديث عن الإعلام اليوم لم يعد حديثًا عن مهنة تقليدية، بل عن قوة ناعمة قادرة على البناء كما هى قادرة على الهدم، على ترسيخ الاستقرار كما يمكن أن تكون أداة فى تأجيج الصراعات، ومن هنا تأتى خطورة المرحلة، حيث تختلط المعلومة بالرواية، فى مشهد شديد التعقيد  فرضت فيه ثورة الاتصالات والذكاء الاصطناعى واقعًا جديدًا بالكامل، لم تعد فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية وحدها صاحبة التأثير، بل دخلت منصات التواصل الاجتماعى بقوة، وبرز ما يمكن تسميته بـالإعلام المفتوح، حيث يشارك الجميع فى صناعة المحتوى وتداوله، دون ضوابط مهنية كافية فى كثير من الأحيان، وهو ما فتح الباب أمام انتشار واسع للمعلومات غير الدقيقة، وتضخم فى حجم الشائعات، وسرعة فى تداول المحتوى تفوق قدرة التحقق منه. 

وفى ظل هذا التحول، أصبح الإعلام جزءًا من أدوات النفوذ الدولى، يُستخدم فى إدارة الصورة، وتوجيه الرأى العام، وبناء الانطباعات، وإعادة تشكيل الأولويات داخل المجتمعات ، وعلى الجانب العربى يواجه الإعلام تحديات مركبة، تبدأ من إشكالية التمويل والاستقلالية فى بعض الحالات، ولا تنتهى عند حدود المهنية وتباين السياسات التحريرية وبين إعلام رسمى مقيد، وإعلام خاص تحكمه اعتبارات السوق والسبق الإخبارى، تظل القدرة على إنتاج خطاب إعلامى متوازن ومؤثر محل تساؤل دائم.

الأخطر من ذلك أن الإعلام العربى فى كثير من الأحيان يتحرك فى مساحة رد الفعل، أكثر مما يتحرك فى مساحة الفعل، فيلاحق الحدث بدل أن يقدمه فى سياقه، وينقل الصورة دون أن يملك دائمًا أدوات تحليلها أو تفسيرها بعمق وهو ما ينعكس على مستوى الوعى العام، ويؤثر فى طريقة إدراك المواطن العربى للقضايا المصيرية.

وفى المقابل، لم يعد مفهوم الأمن القومى مقتصرًا على الأبعاد العسكرية والسياسية فقط، بل امتد ليشمل أبعادًا أكثر اتساعًا، مثل الأمن الفكرى والأمن المعلوماتى والأمن المجتمعى، باعتبار أن الوعى أصبح خط الدفاع الأول فى مواجهة مختلف أشكال التهديد، فالأمن الاقتصادى، والأمن الغذائى، والأمن المائى، والأمن الاجتماعى، جميعها باتت مرتبطة بشكل مباشر بطبيعة الخطاب الإعلامى، ومدى قدرته على التوعية والتفسير وتقديم الصورة المتكاملة بعيدًا عن التبسيط المخل أو التهويل غير الموضوعى، ومن هنا فإن الدور المطلوب من الإعلام العربى اليوم يتجاوز مجرد التغطية الخبرية، إلى بناء وعى قادر على الفهم والتمييز، وإدراك طبيعة التحديات التى تواجه المنطقة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى رقمية. كما يمتد هذا الدور إلى تعزيز ثقافة المسئولية فى تداول المعلومات، فى مواجهة موجات التضليل والشائعات التى أصبحت جزءًا من المشهد اليومى.

وفى ظل هذه التحديات، تبدو الحاجة ملحة إلى إعلام عربى أكثر مهنية ووعيًا، يمتلك القدرة على التعبير عن قضايا مجتمعاته بموضوعية ويعيد الاعتبار لفكرة أن الإعلام ليس مجرد نقل للحدث، بل هو شريك فى صناعة الوعى العام.

حفظ الله مصر

 اقرأ أيضا

د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: الدلتا الجديدة الطريق إلى استقرار القرار المصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى