كتب – عمر أبو الحسن:
حين تسمع كلمة “الدونمة” قد تظنها مجرد لقب عابر، لكن الحقيقة أن وراءها قصة هي الأخطر في تاريخ الدولة العثمانية، قصة جماعة تظاهرت بالإسلام ظاهرًا بينما بقيت على يهوديتها باطنًا، ثم تسللت في قلب المجتمع العثماني حتى كانت خنجرًا مسمومًا أطاح بالخلافة الإسلامية نفسها!
البداية من الأندلس
في القرن السادس عشر، وبينما كانت محاكم التفتيش الكاثوليكية تلاحق اليهود في إسبانيا، قُتل منهم من قُتل وفرّ الباقون.
لم يجدوا ملجأ سوى دولة الخلافة العثمانية، فاحتضنتهم ومنحتهم الأمان بعدما لفظتهم أوروبا كلها ولكن ما ظنّه العثمانيون كرمًا إنسانيًا تحوّل مع مرور الوقت إلى بابٍ مفتوح على أخطر مؤامرة.
سباتاي زيفي.. المسيح المزعوم
في يوليو 1626 وُلد رجل في تركيا من عائلة يهودية أندلسية مهاجرة، اسمه سباتاي زيفي. عام 1648 أعلن بين أتباعه أنه “المسيح المنتظر” الذي سيقيم مملكة اليهود! سرعان ما وصلت أخباره إلى السلطان محمد الرابع، فأُحضر إلى قصر أدرنة حيث سأله العلماء والوزراء عن ادعاءاته. وحين عُرض عليه اختبار المعجزة، تراجع وأنكر كل شيء، وأمام تهديد الموت اختار أن يُعلن إسلامه ظاهرًا متخذًا اسم محمد عزيز أفندي.
لكنه لم يتخلَّ عن مشروعه، بل أمر أتباعه أن يُظهروا الإسلام ويُخفوا يهوديتهم، وهكذا وُلدت طائفة “الدونمة” أي المرتدين. لبسوا العمائم وأدّوا الصلاة، لكنهم ظلّوا أوفياء لمخططهم السري: هدم الدولة العثمانية من الداخل.
الاختراق المنظم
تحت غطاء الإسلام، كوّن الدونمة جماعة سرية لها نفوذ اقتصادي وسياسي متنامٍ. وبمرور الزمن، سيطروا على جمعية الاتحاد والترقي، ورفعوا شعارات الحرية والمساواة ليخدعوا شباب المسلمين، بينما كانوا في الحقيقة يُعدّون المسرح لإسقاط السلطان عبد الحميد الثاني.
سقوط السلطان عبد الحميد
عام 1908، تمكنت جمعية الاتحاد والترقي – التي كان يقودها الدونمة – من عزل السلطان عبد الحميد، واحتجزوه حتى وفاته عام 1918. ومنذ تلك اللحظة دخلت الدولة العثمانية منعطفًا خطيرًا قادها إلى المشاركة في الحرب العالمية الأولى، الحرب التي انتهت بتمزيق جسد الخلافة.
أتاتورك.. الوجه الأبرز للدونمة
في سنة 1923، برز شاب يُدعى مصطفى كمال أتاتورك – الذي يُقال إنه من أصول الدونمة – ليعلن نهاية الخلافة وبداية الجمهورية التركية الحديثة. أتاتورك لم يكتفِ بذلك، بل فرض العلمانية، غيّر الحروف التركية من العربية إلى اللاتينية، وكتب القرآن والأذان بالتركية، وأغلق الباب أمام أي مظهر من مظاهر الإسلام في الدولة.
النفوذ المستمر
إلى اليوم، ما زال يهود الدونمة يمسكون بزمام الاقتصاد والإعلام والسياسة في تركيا، ويحرصون على إبقاء تركيا بعيدة عن هويتها الإسلامية، بل ويعملون على ربطها بعلاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني في فلسطين.
الدونمة لم يكونوا مجرد طائفة صغيرة؛ بل كانوا مشروعًا متكاملًا لاختراق الأمة من الداخل، مشروع بدأ برجل ادّعى النبوة، وانتهى بسقوط الخلافة الإسلامية وولادة تركيا العلمانية على أنقاضها.




