رياضة

الإسماعيلي.. حين يسقط التاريخ ولا تسقط الأسئلة

هل كان الهبوط نهاية متوقعة أم إنذاراً متأخراً؟

كتب – أحمد عزت :

في لحظة ثقيلة على وجدان الكرة المصرية، يعود اسم الإسماعيلي إلى الواجهة لا بوصفه مجرد نادٍ يهبط إلى دوري المظاليم، بل كجرح مفتوح في جسد كرة القدم الشعبية، ومرآة تعكس أزمة أعمق من مجرد نتائج أو موسم سيئ.

لم يكن هبوط الإسماعيلي حدثاً عابراً، ولا يمكن اختزاله في أخطاء مباراة أو تعثر في جدول طويل. ما حدث هو تراكم سنوات من الإنهاك الإداري والمالي والفني، حتى وصل «الدراويش» إلى حافة الهاوية، ثم سقطوا فعلياً في لحظة لم تعد فيها القرارات الإسعافية قادرة على إنقاذ ما تبقى.

قرار إلغاء الهبوط في الموسم الماضي بدا للبعض كطوق نجاة مؤقت، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى تأجيل للانفجار. فالفكرة الجوهرية لم تتغير، ولم تُعالج جذور الأزمة، بل جرى ترحيلها فقط إلى موسم لاحق. وكأن كرة القدم المصرية كانت تقول لنفسها: سنؤجل السقوط عاماً إضافياً.. لكن السقوط قادم لا محالة.

اليوم، يبدو المشهد أكثر قسوة.. فريق كبير بتاريخ الإسماعيلي، أحد أعمدة الكرة المصرية وصانع المتعة في عصور سابقة، يجد نفسه في موقع لا يليق باسمه ولا بجماهيره. والأسوأ ليس الهبوط ذاته، بل طريقة الوصول إليه؛ فريق بلا تماسك، بلا رد فعل كافٍ، وكأن روح المنافسة تآكلت تدريجياً حتى اختفت.

الموسم الماضي، رغم كل شيء، حاول الإسماعيلي أن يقاوم حتى اللحظة الأخيرة، وكان هناك شعور بأنه يقاتل من أجل نفسه، حتى وإن انتهت القصة بشكل درامي. أما هذا الموسم، فقد بدا الاستسلام مبكراً في فترات طويلة، وكأن الفريق فقد الإيمان بقدرته على النجاة منذ البداية.

ولا يمكن هنا تجاهل جوهر الأزمة: منظومة إدارية مضطربة، تغييرات متكررة في الأجهزة الفنية، أزمات مالية متراكمة، وقرارات لم تمنح الاستقرار بقدر ما عمّقت الفوضى. في كرة القدم الحديثة، لا يمكن لأي نادٍ أن يعيش على التاريخ وحده، ولا على اسم جماهيريته فقط.

ومع ذلك، فإن الحل ليس في إلغاء الهبوط أو تغيير شكل الدوري إلى صيغة تُفرغ المنافسة من معناها وكرة القدم في العالم كله لم تُحمَ بهذا الشكل.

سقطت أندية كبيرة مثل يوفنتوس ومارسيليا وليستر سيتي، وحتى في المنطقة العربية هبطت أندية عريقة ثم عادت أقوى. الفارق دائماً ليس في السقوط، بل في طريقة النهوض.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضاً تجاهل أن الأندية الشعبية تحتاج إلى حماية مختلفة، لا تُفهم على أنها امتيازات، بل على أنها عدالة تنافسية. فليس من الطبيعي أن تتساوى الأندية ذات الموارد المحدودة مع كيانات مدعومة بشكل مختلف، دون أي آليات توازن حقيقية.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كرة القدم تريد منافسة عادلة، لكن الواقع أحياناً يصنع فجوات غير عادلة. وفي هذه الفجوات، تتآكل الأندية الجماهيرية أولاً.

الحل لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء حقيقية تبدأ من الإدارة:

استقرار مؤسسي، شفافية مالية، إعادة هيكلة للديون، الاستثمار في قطاع الناشئين، واختيار أجهزة فنية وفق مشروع طويل المدى لا وفق ردود أفعال مؤقتة. قبل ذلك كله، يجب أن يعود الإيمان بأن النادي مشروع كروي وليس ساحة تجارب.
كما أن الأهم هو محاسبة الإخفاقات الإدارية بشكل واضح، ليس بهدف الانتقام، بل بهدف تصحيح المسار. فاستمرار الدوران في نفس الدائرة يعني فقط تكرار نفس النهاية.

في النهاية، هبوط الإسماعيلي ليس مجرد خبر رياضي وإنه إنذار قاسٍ بأن كرة القدم الشعبية في مصر تمر بمرحلة إعادة تعريف قاسية، وأن الأندية التي صنعت التاريخ قد تجد نفسها خارج المشهد إذا لم تتغير قواعد اللعبة من الداخل.

ويبقى السؤال المؤلم.. هل يتعلم «الدراويش» من السقوط، أم يصبح السقوط بداية فصل آخر من الانحدار؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى