توبكُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: حين تعزف القوى الناعمة

أحيانًا يكفي لحن واحد أن يعيدنا سنوات إلى الوراء..

صوت نعرفه، مقدمة موسيقية نحفظها، وكلمات نستطيع أن نرددها قبل أن ينطق بها المغني.

لكن ماذا لو كان هذا اللحن يحمل معه شيئًا أكبر من الذكرى؟

ماذا لو كان يحمل جزءًا من حكاية وطن.. من أفراحه وانتصاراته، ومن لحظات صموده وأحلامه؟

هنا لا تعود الموسيقى مجرد صوت نسمعه، وإنما ذاكرة نعيشها من جديد.. وقوة ناعمة تستطيع أن تصل إلى القلوب دون أن ترفع صوتها.

ومن هنا جعلني ما يدور حول مهرجان الموسيقى العربية أتوقف قليلًا وأفكر..

ماذا لو نظرنا إلى الأمر من زاوية أبعد من تفاصيل الخلاف، ومن أسماء اعتذرت أو حفلات تغيرت؟

ماذا لو تذكرنا أن الموسيقى التي نسمعها اليوم ليست مجرد حفلات تقام على مسرح، وإنما رصيد طويل شارك في تشكيل وجدان أجيال، وصنع جزءًا من صورة مصر في محيطها العربي؟

عندها يصبح السؤال مختلفًا..

ماذا تمثل الموسيقى لمصر؟

فالموسيقى إحدى أدوات القوة الناعمة؛ تستطيع أن تعبر الحدود دون تأشيرة، وأن تصل إلى القلب قبل أن تبدأ الكلمات.

ولعل أجمل ما في حكاية الوطن أن الموسيقى لم تكن يومًا بعيدة عنها، بل شاركت على امتداد تاريخنا الحديث في تشكيل الوجدان والهوية الوطنية.

يكفي أن نستدعي من الذاكرة صوت أم كلثوم، وهي تغني وتحيي حفلات لدعم المجهود الحربي بعد نكسة 1967، فنشعر كيف يمكن للأغنية في لحظة فارقة أن تتجاوز حدود الفن، لتصبح مشاركة في هموم الوطن ورسالة إلى الناس.

ثم تأتي «وطني حبيبي الوطن الأكبر».. ذلك اللحن الذي يكفي أن تبدأ مقدمته حتى تتسابق الذاكرة إلى الكلمات، وتتوالى الأصوات في الخيال، ويجد كل جيل نفسه يردد ما حفظه منذ سنوات.

ولم تكن أم كلثوم وحدها.

هناك عبد الحليم حافظ وهو يصدح: «صورة.. كلنا كده عايزين صورة»، فيتحول الغناء إلى حلم جماعي، وإلى رغبة في وطن يرى نفسه في صورة تليق به.

ومع كل لحن تتوالى الصور..

أغنيات ارتبطت بسنوات العمر، وأصوات ارتبطت ببيوتنا وذكرياتنا، وموسيقى بمجرد سماعها يمكن أن تعيدنا إلى زمن كامل.

تلك هي قيمة الفن التي يصعب أن تضعها في ميزانية أو تحسبها بالأرقام.

ولهذا، فإن مهرجان الموسيقى العربية لا يبدو لي مجرد مجموعة من الحفلات والأسماء، وإنما مناسبة تذكرنا بما تمتلكه مصر من رصيد فني وثقافي صنعته أجيال، وما زال قادرًا على الوصول إلى الناس.

ومن هنا تأتي أهمية ما يدور حول المهرجان، لا باعتباره خلافًا نبحث له عن طرف منتصر وآخر خاسر، وإنما باعتباره فرصة للتفكير في كيفية الحفاظ على هذا الرصيد، وكيف تستطيع مؤسساتنا الثقافية أن تواصل تقديمه للأجيال الجديدة.

فالعالم يتغير، والأذواق تتغير، وطرق الوصول إلى الجمهور تتغير.

وإذا كانت مصر قد امتلكت عبر عقود طويلة أصواتًا وألحانًا صنعت حضورها في الوجدان العربي، فإن التحدي اليوم هو أن نمنح هذا الحضور فرصة لأن يتجدد، وأن يجد الفنان الجديد مساحته، وأن تظل مؤسساتنا الثقافية قادرة على اكتشاف المواهب وصناعة المشهد.

فالقوة الناعمة لا تعني فقط أن نتذكر ما صنعناه بالأمس، وإنما أن نعرف كيف نصنع ما سيبقى في ذاكرة الغد.

وربما لهذا كله، حين نسمع موسيقى مصرية جميلة، لا نسمع لحنًا فقط..

نستعيد شيئًا من أنفسنا.

وحين يصل صوت مصري إلى خارج حدودنا، فإنه يحمل معه شيئًا من روح هذا البلد، من ذائقته، وتاريخه، ودفء ناسه.

فحين تعزف القوى الناعمة، لا تحتاج مصر إلى أن تشرح نفسها كثيرًا.. يكفي أن يصل صوتها.

هذه هي مصر التي في خاطري.

 اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: بكرة أحلى .. المصالح تتصالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى