توبكُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: القانون الدولي… ضيف الشرف في جنازة القوة

في زمنٍ تُبثّ فيه الحروب كما تُبثّ المباريات، يبدو أن العالم قد توصّل أخيرًا إلى تسوية تاريخية بين الأخلاق والسياسة: نحتفظ باللغة للأولى، ونترك الواقع للثانية. لم يعد الدم فضيحة، واغتيال براءة الأطفال جريمة أخلاقية بل مادة بصرية عالية الجودة، ولم تعد الحرب أزمة أخلاقية، بل “ضرورة” يُعاد تسويقها كل مرة بعبارة أكثر أناقة. وهكذا، تتقاعد الحقيقة بهدوء، وتُسلَّم مهامها إلى قاموسٍ سياسيٍّ بارع في تحويل القتل إلى “استقرار”., بحجة الدفاع عن النفس,. الدفاع عن الأمن”، “مكافحة الإرهاب”، “حماية الاستقرار , كحروب وقائية.
المفارقة الأكثر غرابة أن القانون الدولي لم يُلغَ، بل هوى في مستنقع ازدواجية المعايير، : لم يعد يُطبَّق، بل يُستشهد به. إنه حاضر في الخطب السياسية الأمريكية المؤثرة ، غائب في الأفعال الواقعية؛ يُستدعى كشاهد زور، لا كقاضٍ. القوى الكبرى لا تنتهكه بقدر ما “تعيد تفسيره”، وكأن النصوص القانونية كائنات مرنة، تتشكل بحسب ميزان القوة لا ميزان العدالة. وهكذا، يصبح العالم مكانًا غريبًا تُعاقَب فيه الدول الضعيفة على خرق القانون، بينما تُكافأ الدول القوية على “تأويله”. بحسب مصلحتها.
ولعل الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ، كانت خير برهان على هذا السيناريو القبيح. فبينما كان العالم يتابع المشهد بصمت، كانت أرواح الأطفال تزهق في مشاهد تحولت إلى أيقونات للفجوة بين الأخلاق والسياسة والواقع.
ولقد تحولت مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية للبنات إلى مقبرة جماعية, وطفلات لا يتجاوز عمر إحداهن ثماني سنوات يتركن حقائبهن الوردية وسط الركام., فالقانون الدولي واضح وحازم في تجريم الاستهداف المباشر أو العشوائي للمدنيين، ولا توجد أي “حالة طوارئ” يمكنها تحويل قنبلة تسقط على طفلة إلى “ضرورة حربية” إلا إذا كنت تتبع مدرسة ترامب في التفاوض: “اترك الأخلاق جانبًا، وركز على الصفقة
أما الأخلاق، فليست هي من انسحبت من المشهد الفوضوي كما يبدو، بل أُقصيت بهدوء على يد من يملك القرار. فهي لا تزال حاضرة في النصوص والمبادئ الأخلاقية السامية، جاهزة للفعل، لكنها تُستدعى فقط حين لا تعارض المصلحة، وتُستبعد فور أن تصبح عائقًا. المشكلة إذن ليست في عجز الأخلاق، بل في إرادة صانع القرار الذي يختار متى يصغي لها ومتى يتجاوزها. وهكذا تتحول الأخلاق من معيار يُحتكم إليه إلى خيارٍ انتقائي، يُستخدم عند الحاجة ويُجمَّد عند التعارض، تاركة الساحة للقوة لا لأنها أقوى بالضرورة، بل لأن من يدير المشهد قرر أن يمنحها الكلمة الأخيرة.
هنا تحديدًا، يعود نيتشه من بين تلك السطور، لا كفيلسوف يُقرأ، بل كواقعٍ يُمارَس. إرادة القوة لم تعد مفهومًا فلسفيًا، بل سياسة واقعية غير معلنة. القوي لا يحتاج إلى تبرير، لأنه ببساطة قادر.
وفي هذا السياق، تبدو سياسات دونالد ترامب وكأنها الترجمة الشعبية الصريحة لهذا المبدأ: العالم صفقة، والقيمة تُقاس بميزان الربح، أما الأخلاق فهي تفصيل تفاوضي يمكن تأجيله أو تجاهله. ولأنه رجل أعمال لا فيلسوف، فقد طبَّق على السياسة ما كان يطبقه على العقارات: “إذا كنت تملك القوة، فأنت تملك الحق
لكن السخرية تبلغ ذروتها حين نحاول البحث عن “حرب عادلة” في عالمٍ يُعيد تعريف العدالة بعد كل حرب. لم يعد السؤال: هل هذه الحرب مبرَّرة أخلاقيا؟ بل: كيف يمكن تبريرها بأثر رجعي؟ وهكذا تتحول النظريات والمبادئ الأخلاقية إلى أدوات تجميل، تُستخدم بعد الفعل لا قبله، لتمنح العنف مظهرًا مقبولًا، لا لتمنعه. إنها أخلاق ما بعد الجريمة، لا أخلاق ما قبل القرار.
في النهاية، لا يبدو أن العالم يعاني من غياب القوانين أو القيم، بل من فرط وجودها النظري. كل شيء مكتوب، محفوظ، ومُعلن… باستثناء الالتزام العملي بها. وهنا يكمن الألم الحقيقي: ليس لأن القانون الدولي ضعيف، بل لأنه يُعامَل كديكور، ولأن الأخلاق لم تُهزم، بل جُمّدت في انتظار عالمٍ لم يعد موجودًا. وبين نصوصٍ مثالية وواقعٍ متوحش، يبقى السؤال معلقًا بسخرية ثقيلة: هل ما زلنا نحاكم القوة بالأخلاق، أم أننا ببساطة نكتب نعي الأخلاق بلغة قانونية أنيقة؟

القوة تنتصر غالباً، لكنها لم تتعلم بعد درس التاريخ الأهم: لا أحد ينتصر إلى الأبد. الأخلاق لم تُنفَ من العالم، بل انتقلت من الخطب الرنانة إلى الأفعال الصغيرة، ومن قصور صنع القرار إلى شوارع من يدفعون الثمن. لذلك، ليس المطلوب اليوم اختراع قيم جديدة، بل استعادة الجرأة على تذكير الأقوياء بأن القانون ليس ديكوراً، وأن الضمير ليس رفاهية. وإذا كان لا بد من جنازة، فلتكن جنازة الوهم
هل نحن حقاً نحمي القانون، أم أننا ببساطة نكتب نعي الأخلاق بعبارات قانونية؛ وسعيكم مشكور أيها السادة!

 اقرأ أيضا

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: تحرير الوعي من وطأة الهيمنة.. نحو فجر أفريقي جديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى