د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: بين الكرامة الكونية والوصاية الأبيض.. فلسفة كانط في مرآة الهيمنة الأميركية المعاصرة
عندما نقرأ اليوم خطاب الهيمنة الأميركية في العالم، ذلك الخطاب الذي يتحدث بلغة “نشر الديمقراطية” و”حماية حقوق الإنسان” و”تحرير الشعوب” من طغيانها، نجد أنفسنا أمام إعادة إنتاج لنموذج فلسفي قديم: النموذج الكانطي الذي أسس لكونية أوروبية بيضاء، تمنح نفسها الحق في تعريف ما هو “عقلاني” و”متقدم”، وتجعل من نفسها وصيًا على الشعوب التي تراها “غير ناضجة” بعد.
لقد كشفت دراستي لفلسفة إيمانويل كانط أن التناقض لم يكن عارضًا أو هامشيًا في فكر هذا الفيلسوف الذي يُعد بحق أحد أبرز معماريي الحداثة الغربية. فمن جهة، يقدم لنا كانط فلسفة أخلاقية رفيعة تقوم على مبدأ أن “الإنسان غاية في ذاته لا مجرد وسيلة”، ويرفع شعار الكرامة الإنسانية والحرية والعقل الكوني. ومن جهة أخرى، نجد الرجل نفسه يكتب عن “العرق الأبيض” بصفته الأكثر قدرة على التقدم العقلي والحضاري، ويعتبر أن “الزنوج لا يملكون أدنى حس أخلاقي”، ويبرر العبودية الأطلسية بتبريرات واقعية تصل إلى حد القول إنها “أقل الشرين” مقارنة بالموت.!
لا يعد هذا التوتر البنيوي بين الكونية المعلنة والإقصاء الممنهج مجرد هفوة تاريخية يمكن تخطيها أو عزوها إلى “روح العصر”. إنه، كما أوضح فلاسفة ما بعد الاستعمار، جزء من بنية الحداثة نفسها، وشرطها الخفي. واليوم، حين ننظر إلى السياسة الخارجية الأميركية، أو خطابها الإعلامي، أو حتى نظرة المواطن الأميركي العادي إلى “الآخر” غير الغربي، نجد صدى لهذه الفلسفة الكانطية التي تخلط بين “العقل” و”المركزية الأوروبية”، بين “الحرية” و”الوصاية”.
أولاً: وصاية العقل الأبيض من فلسفة كانط إلى سياسات أميركا
لم يكن كانط مجرد فيلسوف يعكس تحيزات عصره، بل كان، كما يرى روبرت بيرناسكوني، منظِّرًا لعصره حين جعل العقل حكرًا على الأوروبيين، وحول الكونية إلى أداة للتمييز العرقي. هذه النزعة الأبوية (paternalism) التي تتخلل فلسفته تجعل من أوروبا ليس فقط مركز العقل، بل أيضًا وصيًا على مصير الشعوب الأخرى. فالشعوب غير الأوروبية، في نظر كانط، “غير ناضجة” أو “طفولية”، وتحتاج إلى التوجيه والإشراف الأوروبي كي ترتقي إلى مستوى العقل والحرية.
هذه النظرة الأبوية هي عينها التي صاغها روديارد كيبلينغ في قصيدته الشهيرة “عبء الرجل الأبيض” (The White Man’s Burden) نهاية القرن التاسع عشر، والتي شكلت الأساس الأيديولوجي للتوسع الاستعماري البريطاني والأميركي. وما يزال هذا “العبء” حاضرًا في الخطاب السياسي الأميركي المعاصر: فالولايات المتحدة تقدم نفسها كحاملة لشعلة “الديمقراطية” و”الحرية”، وتتصور أن من واجبها “تمدين” الشعوب الأخرى وتعليمها كيف تحكم نفسها.
لنتأمل كيف وصفت الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان: كان الخطاب الرسمي يتحدث عن “تحرير” الشعوب من الديكتاتورية، و”نشر” القيم الديمقراطية، و”بناء” مؤسسات دولة القانون. هذا الخطاب يفترض ضمنيًا أن لدى الأميركي ما يقدمه للآخر، وأن الآخر في حالة نقص أو تخلف يستدعي التدخل. كما أن “الآخر” في هذه الرؤية ليس شريكًا متساويًا، بل كائنًا غير مكتمل يحتاج إلى التشكيل على النموذج الأميركي.
ثانياً: التراتبية العرقية وعودة “الإنسان غير الكامل”
قدّم كانط في كتاباته الأنثروبولوجية، تصنيفًا هرميًا للأجناس البشرية، وضع فيه “العرق الأبيض” في القمة بصفته الأكثر قدرة على التطور العقلي والأخلاقي، بينما وصف السود بأنهم “أدنى بكثير”، والهنود بأنهم “أقل موهبة”، وسكان أميركا الأصليين بأنهم “لا يستطيعون حكم أنفسهم”.
لم تكن هذه التراتبية العرقية مجرد رأي شخصي، بل شكلت أرضية فلسفية لتبرير الاستعمار والعبودية. فالعبودية، وفق هذا المنطق، لم تكن ظلمًا، بل “مرحلة ضرورية” في تطور الشعوب “المتخلفة”. وهي ذات المنطق الذي نراه اليوم في بعض الخطابات التي تصف العالم العربي أو الإسلامي بـ”المتخلف” أو “غير القادر على التحديث”، ويتم تقديم النموذج الغربي (الأميركي تحديدًا) باعتباره النموذج الوحيد القابل للتعميم.
لقد كشف إيمانويل إيز (Emmanuel Eze) كيف أن فلسفة التنوير، رغم ادعائها الشمول والكونية، كانت في واقعها محكومة بمركزية أوروبية وظفت العقل لتبرير التفوق العرقي. وحين نقرأ اليوم كتابات بعض المثقفين الغربيين أو تصريحات بعض السياسيين الأميركيين عن “العالم العربي” أو “الإسلام”، نجد أنفسنا أمام هذه المركزية نفسها: العالم يُقسَّم إلى “متحضر” (غربي/أميركي) و”متخلف” (آخر)، ويُمنح المتحضّر الحق في تعريف ما هو صالح للآخر وما هو غير صالح.
ثالثاً: الكرامة المشروطة والحقوق الانتقائية
في فلسفة كانط، الكرامة الإنسانية قيمة مطلقة لا تقاس بثمن، ولكنها، في التطبيق، كانت مشروطة بشروط عرقية وثقافية. فالكرامة، كما يظهر من نصوصه الأنثروبولوجية، لا تُمنح للجميع، بل تُمنح لمن يمتلك “العقل” كما يعرفه كانط، أي الأوروبي الأبيض
هذه “الكرامة المشروطة” هي ما نراه اليوم في السياسات الأميركية تجاه الشعوب الأخرى. فحقوق الإنسان تُطرح كقيم كونية، لكن تطبيقها يظل انتقائيًا وخاضعًا للاعتبارات السياسية والاقتصادية. فالشعب الفلسطيني، مثلاً، لا ينال من الدفاع عن حقوقه إلا ما تسمح به “المصلحة الأميركية”، وحقوقه في الحرية والعدالة تُنتهك بغطاء “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”. هنا تصبح الكونية أداة انتقائية: تطبق على حلفائنا ولا تطبق على خصومنا، تُمنح لمن يشبهنا وتُسحب ممن يختلف عنا.
لقد كشفت غاياتري سبيفاك (Gayatri Spivak) في تساؤلها الشهير “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟” عن آلية إسكات الآخر وإعادة تمثيله من قبل النخب الغربية. فـ”الآخر” في الخطاب الغربي لا يُسمح له بالكلام باسم نفسه، بل يُعاد تشكيله وفق مقولات ومصالح الغرب. هذه هي بالضبط السياسة الأميركية في المنطقة: شعوبها لا تُسأل عن رأيها، بل تُصنَّف ضمن “محور الشر” أو “محور المقاومة”، وتُفرض عليها إرادات لا تتوافق مع مصالحها الحقيقية.
رابعاً: بين “الكونية” الاستعمارية والكونية الحقيقية
ربما أخطر ما كشفه هذا الكتاب هو أن الكونية الكانطية لم تكن كونية حقيقية، بل كانت كونية بيضاء مقنعة، تؤسس لمركزية عرقية باسم العقل. فالعقل الذي ينادي به كانط ليس عقلاً كونيًا مشتركًا، بل عقل أوروبي أبيض يقدم نفسه كمعيار وحيد للتقدم والعقلانية.
هذه النقطة جوهرية لفهم السياسة الأميركية المعاصرة. فما يُقدّم اليوم باسم “القيم الكونية” (الديمقراطية، حقوق الإنسان، حرية التعبير) ليس في حقيقته سوى قيم غربية/أميركية تقدم نفسها بوصفها معيارًا للجميع. وحين ترفض شعوب أخرى هذه القيم، أو تطالب بتكييفها مع ثقافاتها وتاريخها، تُصنَّف على أنها “متطرفة” أو “لا تقبل الآخر” أو “غير مؤهلة للحداثة”.
هذه هي بالضبط وصاية العقل الأبيض التي تحدث عنها فانون وإيز وسبيفاك: وصاية تقدم نفسها كتحرير وهي في جوهرها هيمنة، وتدعي أنها تحترم الآخر وهي في حقيقتها تشيئه وتعيد إنتاجه وفق صورتها.
خامساً: نحو كونية بديلة
إذا كانت الفلسفة الكانطية قد وضعت حجر الأساس لخطاب الهيمنة الغربية الذي نعيشه اليوم، فإن مهمتنا الفلسفية والسياسية اليوم هي تجاوزها. لا يكفي أن نكشف عن تناقضاتها، بل يجب أن ننتقل إلى بناء كونية بديلة، كونية تقوم على الاعتراف الحقيقي بالآخر، لا على إدماجه المشروط أو استيعابه القسري.
كونية بديلة لا تصادر حق الشعوب في تعريف مصيرها بنفسها، ولا تقدم نموذجًا واحدًا للحياة الصالحة. كونية تعترف بأن العقل ليس حكرًا على ثقافة بعينها، وأن التعدد الثقافي ليس نقصًا بل ثراء. كونية لا تجعل من “الأنا” مركزًا للكون، بل تجعل من “الآخر” شريكًا في بناء المعايير الأخلاقية والسياسية.
هذه الكونية البديلة هي التي طالب بها فرانز فانون حين كتب: “كل مرة يُقال فيها عن القيم الإنسانية أنها كونية، نكتشف أن الإنسان الأوروبي فقط هو المعني بها.” وهي التي نادى بها إدوارد سعيد حين فضح كيف أن الخطاب الاستشراقي الغربي يصنع الشرق كـ”آخر” لخدمة مشروع الهيمنة الغربية.
حاولت جاهدة تفكيك فلسفة كانط ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو ضرورة سياسية وأخلاقية. فطالما ظل خطاب “الكونية البيضاء” هو المسيطر، وطالما ظلت مؤسسات الهيمنة الغربية (السياسية والإعلامية والأكاديمية) تعيد إنتاج هذه المركزية، فسيظل “الآخر” العربي والإسلامي في موقع المتهم الدائم، وسيظل مطالبًا بتقديم تنازلات هوية لا تُطلب من الآخر
إن تفكيك العنصرية الكانطية هو، إذن، تفكيك للبنية الفكرية التي تبرر الهيمنة الأميركية اليوم. وبناء كونية حقيقية هو بناء نظام عالمي جديد يقوم على الاحترام المتبادل، لا على وصاية العقل الأبيض. فلسفتنا اليوم، إذا أردنا لها أن تكون تحررية حقًا، لا يمكنها أن تكتفي بنقد الغرب من الخارج، بل يجب أن تنقد من الداخل، أن تفكك أسس الفلسفة الغربية نفسها، وأن تفتح الطريق أمام أفق فلسفي جديد يتسع للجميع دون إقصاء أو تمييز.
هذا هو واجب الفيلسوف اليوم: أن يكون قارئًا ناقدًا للإرث الفلسفي الغربي، وأن يكون فاعلاً في تشكيل وعي مجتمعه، وأن يساهم في بناء عالم لا تكون فيه القيم الكونية مجرد غطاء لهيمنة القوي على الضعيف، بل أفقًا حقيقيًا للتحرر المشترك.
ملحوظة
المقالة مستندة إلى تحليلات من الكتاب: “كانط والآخر: العنصرية في قلب الكونية من منظور ما بعد استعماري” للدكتورة هدى محمد عبد الرحمن جاب الله.
اقرأ أيضا
د.هدى عبد الرحمن تصدر كتابها الجديد «كانط وحقوق الشعوب .. من كانط إلى غزة»




