خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حكم الدستورية العليا بين تصحيح المسار القانوني ومعركة الوعي
فجر حُكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء بشأن استبدال جداول المخدرات وتنظيم استعمالها، موجة واسعة من الجدل القانونى والإعلامى، لا سيما فيما يتعلق بمصير القضايا الجنائية التى نُظرت وصدر فيها أحكام خلال فترة سريان القرار الملغى، ومدى تأثرها بزوال الأساس التشريعى الذى استندت إليه.
بالتوازى مع الجدل القانونى، اندفعت موجة من الشائعات والاتهامات الخطيرة التى طالت القضاء والسلطة التنفيذية، وذهبت إلى حد الزعم بوجود مؤامرة لرفع بعض المواد المخدرة من الجداول لصالح أشخاص من ذوى النفوذ، ممن يستوردون هذه المواد أو يتاجرون فيها.
وقد فوجئت بمدى تغلغل هذه الأفكار المغلوطة فى وعى العامة ومحدودى الثقافة القانونية، حتى بلغ الأمر بأحدهم إلى اتهام الدولة نفسها بالتواطؤ مع تجار المخدرات. وأن الحكم مقصود به حماية بعض أصحاب النفوذ وبالتحديد فى إحدى القضايا التى تم ضبطها منذ فترة، وهو طرح يعكس حجم الفجوة المعرفية، وخطورة ترك الساحة الإعلامية للشائعات، دون تدخل توعوى مسئول.
استند مروجو هذه المزاعم إلى قرارات إخلاء سبيل عدد من المتهمين فى قضايا مخدرات، معتبرين ذلك دليلًا على وجود صفقة أو فساد، فى حين أن الحقيقة القانونية واضحة: فمتى سقط النص الذى بُنى عليه الاتهام، انهارت معه أركان الجريمة، وأصبح استمرار الحبس أو تنفيذ العقوبة عدوانًا صارخًا على الحرية الشخصية ومخالفة جسيمة للدستور.
إن الإفراج فى هذه الحالات ليس منّة ولا تفضّلًا، بل واجب قانونى، يفرضه احترام الشرعية الإجرائية والجنائية، ويجسد جوهر دولة القانون، التى لا تعاقب الناس إلا بناءً على نصوص صحيحة صادرة من جهات مختصة.
كان من المنتظر بل من الواجب أن يخرج مسئول إعلامى رسمى، كوزير الدولة للإعلام، ليشرح للرأى العام تداعيات حكم الدستورية، وكتاب النائب العام، ثم قرار وزير الصحة، فى سياق واحد متكامل، يوضح أن ما حدث ليس «تحريرًا للمخدرات» ولا «تسهيلًا لتجارة السموم»، وإنما تصحيح لوضع قانونى خاطئ نشأ عن قرار إدارى صدر من جهة غير مختصة.
إن ترك المواطن البسيط فريسة للتأويلات المغلوطة ومنصات التواصل غير المنضبطة، يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات، ويقوّض الثقة العامة فى مؤسسات الدولة، وهى ثقة تمثل حجر الزاوية فى استقرار أى مجتمع.
إن جوهر الأزمة ليس فى حكم الدستورية ذاته، بل فى ضعف الوعى القانونى العام، وغياب الخطاب التنويرى المنهجى. فالقضاء لم يفعل سوى أداء دوره فى حماية الدستور، والنيابة العامة لم تتجاوز اختصاصها فى تفسير الحكم وتطبيق آثاره، ووزارة الصحة لم تصدر إلا قرارًا تصحيحيًا يعيد الأمور إلى نصابها القانونى الصحيح.
أما تحويل ذلك كله إلى روايات عن «دولة مافيا» و«صفقات سرية» فهو انحدار خطير فى مستوى التفكير العام، يستدعى تدخلًا جادًا من مؤسسات الدولة، ليس بالقمع أو التضييق، بل بالشرح والتوضيح والشفافية.
إن ما يجرى يكشف الحاجة الملحّة إلى استراتيجية إعلامية وطنية تضع الوعى القانونى فى صدارة أولوياتها. فمعركة الدولة الحقيقية ليست فقط ضد المخدرات أو الجريمة، بل ضد الجهل وسوء الفهم، لأن بناء الوعى هو السدّ الأول فى مواجهة الفوضى والشائعات، وهو الطريق الأضمن لحماية العدالة وصيانة هيبة الدولة، وهو ما يؤكد عليه الرئيس السيسى مراراً وتكرارًا فهل من مجيب؟!
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: اختيار الوزراء وتعميق اللاجدوى



