الإعلامي حمدي رزق يكتب: السيسي يُحسن اختيار سفرائه إلى إفريقيا
تعيين السفير “محمد أبو بكر صالح فتاح”، ابن أسوان “قرية كشتمنة / النوبية” نائبًا لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية، اختيار كما يقولون صادف أهله.. وعلى وقته.
الرئيس السيسي يُحسن اختيار سفرائه، مؤهلات السفير أبو بكر فتاح، ودراساته الأكاديمية، ومواقعه الدبلوماسية السابقة شكلت خبرة عريضة وعميقة بالشأن الأفريقي، أهلته لهذا الموقع المستحدث في وزارة الدكتور مصطفى مدبولي الثالثة.
وعلى وقته، الملف الإفريقي بتقلباته السياسية ، وتقاطعاته الإقليمية ، وتجاذباته العالمية يحتاج إلى دبلوماسي خبير ذي دربة بالأدغال السياسية، متفرغ بالكلية ليقف على رأس هذا الملف الحيوي، ويرعى المصالح المصرية المترامية في القارة الأفريقية، وينسج علاقات و وشائج قربى مع قادة القارة السمراء.
أولويات السياسة الخارجية المصرية في العشرية الأخيرة تفرض استعادة هذا المنصب الرفيع من ذاكرة الدبلوماسية المصرية، عود حميد ، ويحمد لمن وقفوا علي الحاجة الماسة إليه ، دول في الجوار سبقت بتكليف أمهر دبلوماسييها في هذا الملف المستقبلي .
التكليف بالملف ليس بجديد على الدولة المصرية، وسبق وتولاه الموقع المميز سياسيون ودبلوماسيون مقدرون، أبرزهم القطب الناصري الكبير أطال الله عمره الأستاذ “محمد فايق” الذي كان واحدًا من أربع شخصيات وطنية شكلت القوة الضاربة لمصر في أفريقيا، وكان فايق الذراع اليمنى لعبد الناصر في أدغال القارة السمراء، فايق قاد باقتدار الجهد المصري لدعم حركات التحرر الأفريقية سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا في إطار الرؤية الاستراتيجية الثاقبة لخالد الذكر الزعيم عبد الناصر ابتداءً من العام 1968.
الثلاثة الآخرون المقدرون (بحسب احصاء الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسيّة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسيّة ) ، هم حلمي شعراوي، والدكتور عبد الملك خليل، وأخيرًا الدكتور بطرس غالي، وإذا كان ( فايق ) رسم علامات الطريق المصري الواصل إلى جنوب القارة مرورًا بقلبها، فإن شعراوي وخليل سلكا الطريق الذي عبده فايق، وذرعه تاليًا الدكتور بطرس غالي ، الله يقدس روحه ، وقد أبلى بلاءً حسنًا في توطيد أواصر العلاقات الأخوية ( المصرية / الأفريقية ) ، وصار علمًا من أعلام القارة السمراء، ودعمته دول القارة في معركته لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، ولم تتخلف عن دعمه دولة أفريقية واحدة.
الفضاء الأفريقي، الدائرة الإفريقية، إحدى الدوائر الرئيسة في أولويات الدبلوماسية المصرية، وتحتل أفريقيا مكانة مقدرة، والتوجيه السياسي للدبلوماسية المصرية يكاد يصل سقف : أفريقيا أولًا..
استعادة موقع مصر في صدارة المشهد الأفريقي من مبدئيات الأمن القومي الذي يتداخل فيه الأمن المائي وأمن الحدود، والقيادة السياسية تدرك جيدًا متطلبات الأمن القومي المصري في امتداداته أفريقيا، وتحديات الفضاء الأفريقي التي تنازع السيطرة عليها قوى دولية وأخرى إقليمية وثالثة بالوكالة.
لافت الحضور المصري القوي في اجتماعات الاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مفتتح هذا الأسبوع، وتولي مصر قيادة مجلس السلم والأمن الأفريقي، وتصدي الدبلوماسية المصرية لمحاولات المساس بوحدة السودان والصومال، والإصرار المصري على وحدة أراضي الدولتين، واعتبار وحدة السودان كما وحدة الصومال خطًا أحمر، كفى دول القارة مؤنة الاحتراب الدبلوماسي حول قضايا محسومة سلفا.
القاهرة خلال دورات رئاستها الإفريقية تسعى إلى تعزيز فعالية مجلس السلم والأمن باعتباره الجهاز الرئيسي المعني بصون الاستقرار وإرساء الأمن بالقارة الإفريقية ، من خلال مقاربة شاملة تهدف لتطوير بنية السلم والأمن والحوكمة بما يسهم في تسوية النزاعات ودعم الأمن والاستقرار وتحقيق أهداف ” أجندة الاتحاد الأفريقي للتنمية 2063″.
مصر تحرص في سياساتها الأفريقية على تجسيد الثوابت والمبادئ الراسخة في الميثاق التأسيسي للاتحاد الإفريقي، والتي تقوم على احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، وصون مؤسساتها الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز العمل متعدد الأطراف في إطار الاتحاد الأفريقي، بما يسهم في إرساء الاستقرار والأمن وتحقيق التنمية.
الدبلوماسية المصرية في القارة السمراء تقوم على محاور عدة، فضلًا عن الحفاظ على سلامة الدولة الوطنية في دول القارة، هناك تحديات التنمية والعمران، فضلًا عن التكامل الأفريقي، والتبادل التجاري، وخير القارة لأهلها ، والتنمية حق مستحق لشعوب القارة ، محكومة بقاعدة لا ضرر ولا ضرار .
وفي السياق ذاته، مصر تتطلع لحراك أفريقي موحد تجاه القضايا الأفريقية والعالمية، التحرك كتلة واحدة سمراء ثقيلة الوزن في المحافل الدولية، ما يرفع مكانة الصوت الأفريقي، ويضاعف من قوته، ويضعه في مكانه الصحيح في المعادلات الدولية، ويُحسب حساب القارة السمراء في الاتفاقيات الدولية السياسية والاقتصادية والتجارية، ما يمكن القارة من حقوقها التي هضمتها طويلا معادلات القوى الدولية.
وفي هذا السياق تقود مصر المطالبة الأفريقية العادلة بمقعدين دائمين في مجلس الأمن بكامل الصلاحيات بما فيها حق النقض، فضلًا عن خمس مقاعد غير دائمة، سيما وأن أفريقيا تمثل 28 في المائة من المقاعد الأممية، نحو 54 دولة من 193، فضلًا عن أن قضاياها تحتل قمة أولويات مجلس الأمن، فضلًا عن الإخفاقات الأممية في معالجة قضايا القارة السمراء، سيما قضايا الماء والإرهاب والحدود.. وقضية السد الإثيوبي نموذج ومثال صارخ للإهمال الأممي اتكاء علي الاهتمام الافريقي ، ولم يحرك ساكنا ، ولم يوفر حلا ..
مصر تعود بقوة دفع هائلة إلى فضائها الأفريقي، تدخل من الباب الواسع، باب التنمية، ما يترجم مشروعات مشتركة ذات نفع على الشركاء، المزارع التجريبية النموذجية المشتركة مع أفريقيا، بلغت 10 مزارع في 9 دول أفريقية، والسعي لزيادتها إلى 21 مزرعة، فضلًا عن نقل الخبرات المصرية في الصناعة والتشييد إلى القارة الأفريقية لتساعد الحكومات الوطنية على أداء فروضها التنموية، اضطلاع تحالف مصري من شركات التشييد بإقامة سد ” جوليوس نيريري ” في غابات نهر روفيجي في تنزانيا، وتكرار نموذج مشروعات الطاقة الكهرومائية ، مشروع ( شلالات روسومو ) يخدم رواندا وبوروندي وتنزانيا، وسد ( جيجي وموليمبوي ) في بوروندي، وهو جزء من مشروع طاقة كهرومائية هام يتضمن بنية تحتية معقدة.
وهكذا دواليك تعاود مصر الانتشار أفقيًا في القارة الأفريقية، وتفرد أجنحتها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وتتحرك قاطرتها الدبلوماسية على خط ( القاهرة – كيب تاون ) في مسار مستقيم لا تعوقه جنادل اقتصادية ولا شلالات سياسية .
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: الوصايا الرئاسية العشر لحكومة مدبولى الثالثة




