الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: ماتت الحمامة!
دهشت كثيرا لمفردة (نفق) التي مرت علي في احدى الروايات العالمية التي كانت تتناول الحيوانات كمادة محورية فيها كشريك للانسان ومصدر مهم في البيئة ، لكن الراوي حينما اراد التعبير عن موت الدابة قال عنها ( نفقت ) فاستغربت المصطلح اذ ان كلمة موت تعني خروج الروح وانتهاء دور الكائن في الطبيعة .. كرر الكاتب تلك المفردة كلما تحدث عن موت حيوان ما ، فحزنت لان النخب فرقت بين الانسان والحيوان حتى بالتعابير الخاصة في موت كل منهما.
كنت ما زالت العب في الشوارع حينما وجدت حمامة مختبئة في زاوية ما في السوق وقد خفق قلبي لاصطيادها ، فمددت يدي فوجدتها طوع كفي الذي قبض عليها بيسر مع اني لم امتهن الصيد ولست قناصا ماهرا.. تبين ان طريدتي حمامة صغيرة سقطت من العش قبل ان يكتمل جناح طيرانها.. فاخذتها للبيت مسرورا وحرصت ان اجد لها قفصا يأويها مع اناء ماء وحبيبات علف . لكني صدمت حد الفزع وعدم التصديق حينما راتها امي وكانت تتشائم من تربية الطيور ، فقالت بتهجم وتجهم: ( هذه حمامة برية لا يمكن ان تعيش في القفص طيرها واخلص من خطيتها – اي تحمل مسؤوليتها – ).. لكني ابيت ولم اسمع الا صدى تملكي للحمامة التي ابقيتها وحرصت على حمياتها من القطط.. لكنها ابت مثلي ان تلتقط اي حبة ولم تشرب قطرة ماء حتى اصبت بصدمة صباح يوم باكر اذ وجدتها هامدة.
في حرب 2003 وفيما كانت طائرات العدوان الامريكي تدك البشر والحجر بمختلف المدن العراقية وجدت صديقي الاستاذ كريم الناشيء ابو نزار – رحمه الله – ( ذلك المناضل الذي عاش ومات شيوعيا رافضا انواع التسلط والتسفيه والتفرقة والاستحواذ وظل يطمح لعراق ديمقراطي تسوده حرية التعبير والامن والسلام العام ).. قبل دخول قوات الاحتلال الى بغداد بايام .. زرته فوجدته قد سيطر عليه الوجوم .. فتصورت بسبب فواع الحرب وتيه المصير لكنه فاجئني قائلا: ( ان جيمي قد مات ) .. فاخذت افكر من جيمي هل هو قائد عسكري او مفكر عالمي او صديقه الحميم !.. فقال: ( انه كلبنا ).. ثم دخلت بيتهم فوجدت اسرته مجتمعين والحزن مخيم عليهم لموت ( جيمي ) وفيما كان ازيز الطائرات وصوت الانفجارات يُسمع بكل مكان حفروا له في حديقة بيتهم ثم واروه الثرى ودموع الجميع تنهمل حتى ابكوني معهم.
قبل ايام فتحت بابنا صباحا فسقطت حمامة في مدخل البيت لكنها لا تستطيع الطيران لكسر جناحها.. ادخلتها فتلفتها زوجتي بحزن ووضعتها في كارتون ثم جهزت لها ماء وعلف.. عدت للبيت لم اجد الحمامة.. تصورت انها طارت ، فقلت الحمد لله على شفائها . لكن ام العيال فاجئتني: ( ابنك اخذها الى البيطرة ).. فباركت فعله وشكرته عند عودته.. فقال: ( لقد شدو جناحها واعطوني حبوب للشرب.. وبعد اسبوع ستشفى.. ثم اخذوا مني عشرة دولارات اجور ).. فقلت: لا بئس بورك بك واحتسب ذلك على النية والفعل ثم بدانا نتناوب على خدمتها.
بعد أسبوع وجدتها منكبة على وجهها في المكان المخصص لها دون حراك، قلبتها فلم اجد بها نبض بعد ان فارقت الحياة.. صابني شيء من الحزن.. فكلمة موت تفتك بي وتفزعني حد البكاء الشديد.. اخذتها مباشرة دون ان ابلغ الاسرة.. وضعتها بمكان مخصص للتعامل معها.. محاولا نسيانها واسدال الستار على قصة حزينة فرضت علينا فرضا.. لكن بيني وبينكم ظل شيء من الحزن يطاردنا بسبب تلك الحمامة المجهولة!.
موضوعات ذات صلة
الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: صحافتنا الورقية .. شؤون انتخابية ونقابية !
الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: حكومة الابتذال والميوعة !




