توبكُتّاب وآراء

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: محطات في حياتي .. المحطة العشرون

حين يكون السند انساناً قبل أن يكون منصباً

ليست كلّ المحطات في حياة الإنسان متشابهه فبعضها نمرّ به مرور العابر وبعضها يمرّ بنا فيترك أثره العميق في الذاكرة والوجدان والمحطة العشرون في حياتي لم تكن مجرد رقم في تسلسل السنين بل تجربة إنسانية خالصة صاغتها المواقف قبل الكلمات وترسّخت معانيها في القلب قبل أن تُدوَّن على الورق كانت محطة مختلفة لأنها ارتبطت بذكريات جميلة وعميقة ذكريات مجموعة تحابّت وتأخت وجمعتها روح واحدة قوامها الالتزام وتحمل المسؤولية وحب الوطن

لم تكن علاقة قائمة على المصالح أو المناصب بل على الثقة المتبادلة والاحترام والإحساس بأن ما نقوم به رسالة قبل أن يكون وظيفة وأمانة قبل أن يكون دوراً بطبيعة الحال كانت ظروف العمل شاقّة تتطلّب جهداً مضاعفاً وصبراً طويلاً وساعات ممتدّة من التركيز وتحمل المسؤولية لم يكن التحدّي في الإرهاق الجسدي فحسب بل في الضغط الذهني والنفسي المستمر الناتج عن دقّة المهام وحساسيتها ومع ذلك لم يكن أحدٌ منّا وحده في مواجهة تلك الضغوط كنا نخاف على بعضنا البعض ونتقاسم الأعباء قبل المهام ونتشارك القلق كما نتشارك الأمل نشأت بيننا علاقة تجاوزت حدود الزمالة التقليدية لتصبح أخوّة حقيقية تظهر بصدق في المواقف الصعبة وتثبت قيمتها حين تُختبر وفي مثل هذه الظروف تتكشف معادن الرجال لا بالكلام ولا بالادّعاء بل بالموقف الصادق وبالقدرة على أن تكون سنداً حين يحتاجك الآخر دون انتظار مقابل أو شكر ولا أنسى ما حييت موقفاً إنسانياً بالغ التأثير مررت به خلال تلك المرحلة حين تعرّضت لعارض صحي استلزم تدخّلاً طبياً وإجراء عملية جراحية تحت تخدير كلي وهي لحظة ضعف إنساني طبيعي يشعر فيها المرء بحاجته الصادقة إلى الطمأنينة وإلى من يقف بجانبه بصفته إنساناً قبل أي اعتبار آخر وفي تلك اللحظة، كان لي شرف أن أجد هذا السند متمثلًا في

اللواء عمرو سميح مبارك واللواء بحري هشام محمد فتحي

وقد جاء حضورهما في إطار إنساني ومهني منضبط اقتصر على المرافقة والاطمئنان، وامتد بتصديق رسمي وإجراء أمني خاص إلى التواجد داخل غرفة العمليات حتى انتهاء الجراحة والإفاقة الكاملة من التخدير الكلي وذلك الإجراء لم يكن خروجاً عن القواعد بل جاء في سياق الحفاظ على مقتضيات العمل وصوناً لسرّية المعلومات وضماناً لعدم إفشاء أي بيانات تتعلّق بطبيعة المهام الحساسة ووفق ما تفرضه الاعتبارات الأمنية في مثل هذه الحالات الاستثنائية كان حرصهما الصادق ومتابعتهما الدقيقة مصدر طمأنينة حقيقية تجاوزت بي تلك اللحظة بسلام ولن أنسى لهفتهما النبيلة ولا ذلك الإحساس العميق بأنك لست مجرد زميل بل إنسان له مكانة حقيقية في القلوب كما لا أنسى أيام العمل الطويلة التي جمعتنا حين كان النجاح جماعياً والمسؤولية مشتركة والتكامل بيننا ضرورة لا اختياراً كنا نفرح لنجاح بعضنا بصدق ونتألم لتعثر أحدنا دون لوم أو شماتة ونسعى جميعاً لتجاوز الصعوبات بروح واحدة

كانت تلك الزمالة مدرسة حقيقية في معنى العمل المشترك وفي قيمة أن يكون الإنسان داعماً لزميله لا عبئاً عليه .

ولا يفوتني أن أذكر رجلاً كان له أثر عميق في تلك المرحلة رجلاً جسّد معنى الرجولة في أوسع وأصدق صورها وهو اللواء محمد جعفر الذي كنت أصفه دائماً عن قناعة بأنه (أبو الرجولة)

ليس لأن الرجولة تُمنح بلقب بل لأنها تُرى في الموقف والتصرف وتُلمس في التعامل وتُحترم في السلوك كان ومازال نموذجاً  للإنسان المتزن الحكيم ألفاهم الواعى القادر على الجمع بين الحزم والاحتواء وبين المسؤولية والإنسانية يتمتع برأي رشيد وبُعد نظر وقدرة على قراءة المواقف بهدوء والتعامل مع الأشخاص باحترام وتقدير .

تعلّمت من هذه التجربة، ومن هؤلاء الرجال أن أعظم ما يتركه الإنسان في أي موقع يشغله ليس المنصب ولا السلطة بل السيرة الطيبة والأثر الإنساني والاحترام الذي يبقى بعد أن يزول كل شيء وجميع هذه المواقف رغم صدقها وعمقها تَرِد في هذا السياق في إطار إنساني عام احتراماً لطبيعة العمل وحفاظاً على الأمانة والتزاماً بحدود المهنية وإيماناً بأن بعض التفاصيل يكفيها أن تبقى في الذاكرة لا على الورق .

الدروس والقيم المستفادة

علّمتني هذه المحطة :

  • الزمالة الحقيقية تقوم على الثقة لا المنفعة
  • الأخوّة تُثبت بالمواقف لا بالشعارات
  • الرجولة عدل وإنصاف قبل أن تكون قوة
  • النخوة وعي ومسؤولية لا اندفاع
  • نكران الذات أصدق تعبير عن حب الوط

رسالة إلى الأجيال القادمة

إلى من يقرأ هذه الكلمات من الأجيال القادمه اعلموا أن العمل ليس مجرد ساعات تُقضى بل أخلاق تُختبر اجعلوا علاقتكم بزملائكم قائمة على الاحترام والدعم المتبادل فالقيم هي التي تحمي المؤسسات وتمنحها الاستمرارية ولا تجعلوا المناصب غاية بل وسيلة للعطاء واحفظوا أسرار العمل فالمهنية شرف والقيادة الحقيقية تُقاس بقدرتها على بناء الإنسان قبل الإنجاز .

فى نهاية ••

المحطة العشرون لم تكن مجرد مرحلة زمنية بل تجربة إنسانية ثرية تعلّمت فيها أن الإنسان هو جوهر أي عمل وأن الوطن يُخدم بالصدق وبالإخلاص وبنكران الذات .

ستبقى تلك الأسماء وتلك الوجوه وتلك المواقف حيّة في الذاكرة لأنها لم تكن عابرة بل تركت أثراً يشبه النور وفي نهاية الرحلة لا يبقى معنا إلا ما قدّمناه بصدق ولا يُخلَّد إلا من مرّوا في حياتنا وتركوا فيها أثراً طيباً لا يزول.

كاتب المقال .. لواء د. أحمد زغلول مهران
*المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية*
*رئيس مركز دعم الابداع والابتكار والوعى المجتمعي*
*امين عام مركز علوم الاهرامات واخلاقيات العلم*

اقرأ أيضا

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: التأثيرات الاقتصادية للخلاف بين جيروم باول رئيس الاحتياطى الفيدرالى وترامب على الاقتصاد الغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى