توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: نزع الفتيل

في زحام شوارعنا المصرية، وبين صخب الحياة اليومية، بدأت تتسلل ظاهرة غريبة على طبيعتنا كمصريين، ظاهرة تستدعي منا وقفة تأمل وتدبر. إنها ظاهرة العنف التي بدأت تطل برأسها في تعاملاتنا اليومية، وفي ما نشاهده على شاشاتنا من أعمال درامية.

الشارع المصري.. روح وحضارة

عُرف المصري على مر العصور بطيبته وحلمه وقدرته الفائقة على احتواء الأزمات بالحكمة والابتسامة. شوارعنا كانت دائمًا مسرحًا للتكافل الاجتماعي، حيث الجار يعرف جاره، والغريب لا يبقى غريبًا طويلًا. لكن اليوم، نلحظ تحولًا مقلقًا في بعض السلوكيات، حيث يتصاعد التوتر لأبسط الأسباب، وتتحول الخلافات البسيطة إلى مواجهات لا داعي لها.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل تغيرنا حقًا؟ أم أننا نمر بمرحلة عابرة تتطلب منا وعيًا جماعيًا لتجاوزها؟
الدراما.. مرآة المجتمع أم صانعة السلوك؟

لا يمكننا إنكار الدور الكبير الذي تلعبه الأعمال الدرامية في تشكيل وعي المجتمع. فما نشاهده على الشاشات لا يقتصر على كونه مجرد ترفيه، بل يتسرب إلى عقولنا الباطنة ويصبح جزءًا من مرجعيتنا السلوكية، خاصة لدى الأجيال الناشئة.
عندما تمتلئ الأعمال الدرامية بمشاهد العنف، والثأر، والانتقام، وعندما يُقدم البلطجي على أنه البطل القوي، والهدوء على أنه ضعف، فإننا نساهم دون قصد في صناعة جيل يرى في العنف حلًا، وفي العدوانية قوة.نزع الفتيل.. مسؤولية جماعية

نزع الفتيل لا يعني الضعف أو الاستسلام، بل هو قمة الحكمة والقوة الحقيقية. إنه القدرة على امتصاص الغضب، وتحويل الطاقة السلبية إلى حوار بناء، وحل الخلافات بالعقل لا بالعضلات.

نحتاج اليوم إلى:

في الشارع المصري: أن نعيد اكتشاف قيمنا الأصيلة، قيم التسامح والصبر والتعاون. أن نتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الابتسامة في وجه الآخر عبادة. نحتاج أن نعلم أبناءنا أن القوة الحقيقية ليست في رفع الصوت أو اليد، بل في ضبط النفس والتحلي بالأخلاق.

في الدراما: نحتاج إلى صناع محتوى يدركون مسؤوليتهم تجاه المجتمع. أعمال تقدم نماذج إيجابية، تعلي من قيمة الحوار، وتصور الحكيم على أنه البطل الحقيقي. دراما تعكس جمال الشخصية المصرية الأصيلة، وتبرز قصص النجاح التي تحققت بالعلم والأخلاق، لا بالعنف والبطش.

العودة إلى الجذور

العنف ليس من خصائص الشعب المصري، فنحن شعب الحضارة والفن والأدب. شعب علّم العالم معنى الإنسانية والعدل. أجدادنا بنوا الأهرامات بالعلم والتنظيم، لا بالقسوة والعنف. حضارتنا قامت على التعاون والعمل الجماعي.
حان الوقت لنزع فتيل العنف من حياتنا، من شوارعنا، من شاشاتنا، من عقولنا. حان الوقت لنعود إلى ما نحن عليه حقًا: شعب طيب، متسامح، محب للحياة والجمال.

دعونا نتذكر دائمًا أن كل واحد منا هو سفير لهذا الوطن العظيم. سلوكنا في الشارع، كلماتنا، أفعالنا، كلها رسائل نبعث بها للعالم عن هويتنا. فلنحرص على أن تكون هذه الرسائل مشرّفة، تليق بحضارتنا وتاريخنا.
نزع الفتيل ليس دعوة للسلبية، بل دعوة للإيجابية الفاعلة، للحكمة التي تبني ولا تهدم، للقوة التي تحمي ولا تؤذي.
فلنكن كما عهدنا أنفسنا: مصريين بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.

المستشار رامز حافظ يعقب على مقال الإعلامي خالد سالم « البحث عن السعادة »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى