الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: من ذا الذي لا ينكسر؟
الانكسار كعلامة حياة… لا كفشل
من ذا الذي لا ينكسر؟
سؤالٌ في ظاهره إنكاري، وفي عمقه اعتراف صريح بحقيقة إنسانية لا مهرب منها: الإنسان الذي لم ينكسر يومًا هو إنسان لم يعش الحياة بعمقها، أو هو ـ نفسيًا ـ ميت على قيد الحياة.
لقد علّمنا المجتمع أن نربط الانكسار بالفشل، وأن نُجلِس القوة على عرش القسوة.
لكن علم النفس الحديث يعيد ترتيب هذه المفاهيم من جذورها.
فالانكسار ليس خللًا في الشخصية، بل تعبير صحي عن نظام نفسي حيّ يتفاعل مع الضغوط، الخسارات، والصدَمات.
الانكسار من منظور علمي
في علم النفس العصبي، حين يتعرّض الإنسان لحدث ضاغط أو فقدٍ مؤلم، يدخل الدماغ في حالة تُشبه “إعادة الضبط”.. تُفعَّل خلالها آليات حماية: الحزن، التوقف، القلق، أو حتى الانسحاب المؤقّت.
هذه ليست علامات ضعف، بل مراحل تنظيم داخلي تهدف إلى منع الانهيار الكامل.
الذي لا ينكسر أبدًا، غالبًا:
- إمّا يقمع مشاعره
- أو يؤجّل الانفجار
- أو ينفصل عاطفيًا عن ذاته
وكلّها مسارات تحمل كلفة نفسية عالية على المدى البعيد.
الانكسار مرحلة… لا هوية
الانكسار حالة عابرة، وليس تعريفًا دائمًا للإنسان.
هو المسافة الفاصلة بين:
- نسخةٍ قديمة لم تعد قادرة على الاستمرار
- ونسخةٍ جديدة تتشكّل بوعي أعمق
وهنا تتجلّى القوة الحقيقية: في القدرة على النهوض، لا في إنكار السقوط.
الفشل الحقيقي
الفشل ليس في أن ننكسر.
الفشل الحقيقي هو:
- أن نبقى أسرى الانكسار
- أو أن نحوله إلى قسوة
- أو أن نواصل الحياة بإنكارٍ يُراكم الألم في الصمت
أما النجاح النفسي، فهو أن نسمح لأنفسنا بالانكسار، ثم نقف من جديد، بندبةٍ أقل قسوة، وبصيرةٍ أكثر رحمة.
كلمة شكر وتقدير
يأتي هذا المقال ثمرة حوار فكري ونفسي مشترك، مع خالص الشكر والاحترام للأستاذ صلاح الدين خنفري، المختص الجزائري في علم النفس، وأحد الروّاد في العلاج النفسي، معلّمٌ وممارسٌ استثنائي، وموسوعة معرفية في علم النفس، ساهم بفكره وخبرته في تعميق هذا الطرح الإنساني الذي يُعيد للانكسار معناه الصحيح: علامة حياة، لا وصمة فشل.
خاتمة
من ذا الذي لا ينكسر؟
لا أحد.
لكن الفرق بين البشر ليس في السقوط، بل في القدرة على الوقوف والاستمرار.
فالانكسار لا يُنهي الإنسان…إنما يعيد تشكيله…
كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.
اقرأ أيضا




