لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: سيناريوهات المواجهة المحتملة بين أمريكا وإيران
تشير المؤشرات السياسية والعسكرية إلى أن المنطقة العربية، على أثر أحداث الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأخيرة، وتحركات الولايات المتحدة الأمريكية، والتصريحات المتبادلة، والتصعيد في منطقة الخليج •• تقف أمام عدة احتمالات لا يمكن اختزالها في خيار الحرب أو السلام، بل في درجات متصاعدة من الصدام المحسوب أو غير المحسوب.
سيناريو الضربة المحدود:
السيناربو الأول: سيناريو الضربة المحدودة. ويعني هذا السيناريو، تنفيذ ضربة أمريكية أو إسرائيلية دقيقة ضد منشآت نووية أو بنى عسكرية حساسة داخل إيران.
- تجنّب استهداف مؤسسات الدولة بشكل مباشر، لتفادي إسقاط النظام أو إشعال حرب شاملة.
- المقصود الرسالة وليس الضربة.
الانعكاسات المحتملة لهذا السيناريو على المنطقة العربية، هي:
- استهداف غير مباشر لدول الجوار عبر هجمات صاروخية أو مسيّرات تنطلق من وكلاء إيران في كلٍ من:
- العراق (قواعد أمريكية وأراضٍ قريبة من دول الخليج).
- سوريا (الجبهة الشمالية).
- اليمن (تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب).
- ارتفاع أسعار النفط والطاقة بشكل فوري، مما يخلق ضغوطًا اقتصادية على الدول المستوردة، ويحقق مكاسب مؤقتة للدول المصدّرة، لكنها مكاسب محفوفة بالمخاطر.
- تهديد الملاحة البحرية في الخليج العربي وبحر العرب، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية.
هذا السيناريو قد ينتهي باحتواء نسبي إذا التزمت الأطراف بسقف التصعيد، لكنه يحتمل الانزلاق السريع في حال وقوع خطأ في تقدير الموقف.
ضربة استباقية:
السيناريو الثاني: سيناريو الضربة الإسرائيلية الاستباقية المستقلة، وهو يعني:
- قيام إسرائيل بتنفيذ هجوم واسع نسبيًا على منشآت نووية وعسكرية إيرانية دون إعلان تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية.
- اعتماد عنصر المفاجأة، والرهان على شلّ القدرات الإيرانية قبل اكتمال أي برنامج نووي عسكري.
الانعكاسات على المنطقة العربية، هي:
- رد إيراني غير مباشر واسع النطاق عبر الآتي:
- حزب الله في لبنان، ما قد يفتح جبهة شمالية واسعة تهدد استقرار لبنان وتؤثر على سوريا والأردن.
- تصعيد في غزة أو الضفة الغربية لتشتيت الجهد الإسرائيلي.
- توريط غير مباشر لدول عربية في الصراع، سواء عبر المجال الجوي أو الضغوط السياسية.
- انقسام عربي داخلي بين دول تسعى للتهدئة، وأخرى قد تجد نفسها في قلب المعركة دون رغبة منها.
هذا السيناريو هو الأخطر سياسيًا، لأنه يمنح إيران شرعية الرد، ويفتح الباب أمام حرب متعددة الجبهات، مع ضعف القدرة على التحكم في مداها الزمني والجغرافي.
الانفجار الإقليمي:
السيناريو الثالث: سيناريو الانفجار الإقليمي الشامل، وملامحه، تتمثل في:
- فشل الاحتواء، وتحوّل أي ضربة استباقية إلى سلسلة من الردود المتبادلة.
- دخول الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر وواسع.
- استخدام إيران لكل أدواتها في المنطقة.
اما انعكاسات هذا السيناريو على المنطقة العربية، فهي:
- تحوّل بعض الدول العربية إلى ساحات صراع مفتوحة، خصوصًا العراق وسوريا ولبنان واليمن.
- شلل اقتصادي إقليمي يتمثل في (تعطّل سلاسل الإمداد، وتهديد الاستثمارات، وانهيار السياحة والتجارة).
- المخاطر الأمنية (تصاعد التوترات الطائفية، واستغلال بعض الجماعات المتطرفة للفوضى، مع تراجع أولويات التنمية لصالح الإنفاق الأمني والعسكري).
هذا السيناريو كارثي، ويعيد المنطقة سنوات إلى الوراء، ويجعل الأمن العربي رهينة صراعات دولية لا تخدم المصالح العربية.
ما الذي قد تتعرض له المنطقة العربية؟
١- فقدان القرار المستقل مع تحوّل بعض الدول إلى مناطق صراع.
٢- ضغوط دولية متناقضة •• مطالب بالتعاون مقابل وعود أمنية أو اقتصادية.
٣- تهديد الأمن البحري العربي في الخليج، والبحر الأحمر، وشرق البحر المتوسط.
٤- استنزاف طويل الأمد للموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية.
الدور العربي المطلوب •• من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي
١- تبنّي موقف عربي موحّد
- صياغة موقف جماعي يرفض استخدام الأراضي العربية كساحات لتصفية الحسابات.
- التأكيد على مبدأ عدم الانحياز العسكري، مع الانحياز للاستقرار.
٢- تفعيل الدور الدبلوماسي
- لعب دور الوسيط بين إيران والغرب، مستفيدين من علاقات متوازنة لبعض الدول العربية مع الطرفين.
- الدفع نحو مسار تفاوضي يشمل الأمن وعدم الاعتداء.
٣- تحصين الأمن الداخلي
- رفع درجات الاستعداد الأمنية بشكل نسبي.
- مراقبة أي اختراقات محتملة للجبهات الداخلية، أو استغلال الانقسامات الاجتماعية.
٤- حماية الممرات البحرية
- تنسيق عربي–عربي لحماية الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي.
- العمل ضمن أطر قانونية دولية، دون الانجرار إلى تحالفات تتبنى التصعيد.
٥- الإجراءات في ما بعد الأزمة
- الاستعداد لمرحلة إعادة التوازن الإقليمي، عبر مبادرات اقتصادية وتنموية تقلل من أسباب الصراع مستقبلًا.
في النهاية، يمكن القول إن المنطقة العربية ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها الأكثر دفعًا لثمنه حال اندلاعه، ومن هنا فإن أخطر خيار هو الانتظار، وأذكى خيار هو التحرك الاستباقي الدبلوماسي، وبناء مظلة عربية واقعية تحمي المصالح دون التورط في حروب الآخرين.




