الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الشباب والسيارات
في زحمة الحياة المعاصرة وتسارع إيقاعها، لم تعد السيارة مجرد وسيلة انتقال من نقطة إلى أخرى، بل تحولت في أذهان كثير من الشباب إلى رمز اجتماعي ومعيار للتقييم الشخصي. هذا التحول في النظرة تجاه السيارات يستحق منا وقفة تأمل وتحليل، خاصة عندما نرى كيف أصبحت العلامة التجارية وسعر السيارة مقياساً يُحدد به مكانة الإنسان في المجتمع.
يعيش شبابنا اليوم، من أولاد وبنات، في دوامة من المقارنات المستمرة. فالشاب الذي يقود سيارة فارهة ينظر إليه البعض على أنه ناجح ومتميز، بينما قد يُنظر لمن يقود سيارة متواضعة بنظرة مختلفة، وكأن قيمة الإنسان أصبحت محصورة في الماركة المعلقة على مقدمة سيارته. هذه النظرة المادية الضيقة خلقت ضغطاً نفسياً هائلاً على الشباب، فأصبح الكثيرون منهم يسعون بكل جهدهم لامتلاك سيارة تليق بالصورة التي يريدون أن يظهروا بها أمام الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب استقرارهم المالي أو أولوياتهم الحقيقية في الحياة.
الفتيات أيضاً لم يكنّ بمعزل عن هذه الظاهرة. فقد أصبحت السيارة بالنسبة للكثيرات منهن جزءاً من الهوية الاجتماعية والمظهر الخارجي الذي يعكس مستواهن المعيشي والاجتماعي. وفي أحيان كثيرة، تتحول السيارة إلى عامل مهم في تقييم الشريك المحتمل، حيث يُنظر إلى نوع سيارة الشاب كمؤشر على إمكانياته المادية ومستقبله.
ما يثير القلق حقاً هو أن هذا التصنيف للناس بناءً على سياراتهم قد تغلغل في نسيج مجتمعنا بشكل عميق. نسمع عبارات مثل “صاحب المرسيدس” أو “اللي يسوق كذا” كأنها ألقاب تعريفية للأشخاص، وكأن السيارة أصبحت البطاقة الشخصية التي تُعرّف الإنسان قبل أن نعرف أخلاقه أو علمه أو إنجازاته الحقيقية.
الأثر النفسي لهذه الظاهرة عميق ومؤلم. فالشاب الذي لا يستطيع امتلاك سيارة فارهة قد يشعر بالدونية أو النقص، رغم أنه قد يكون إنساناً طموحاً ومجتهداً يبني مستقبله بحكمة. هذا الشعور بالنقص قد يدفع البعض إلى الاستدانة أو الدخول في التزامات مالية تفوق قدراتهم، فقط ليحافظوا على صورة اجتماعية زائفة. وعلى الجانب الآخر، قد يصاب من يملك سيارة فارهة بالغرور والتكبر، ظناً منه أن قيمته تكمن فيما يملك وليس فيما هو عليه.
السيارة كوجاهة اجتماعية ظاهرة تعكس أزمة قيم حقيقية في مجتمعنا. فعندما نختزل قيمة الإنسان في ممتلكاته المادية، نكون قد فقدنا القدرة على رؤية الجوهر الحقيقي للأشخاص. العلم، الأخلاق، الإنجازات، الطموح، الطيبة، كل هذه القيم النبيلة تتراجع أمام بريق المعدن اللامع وشعارات الشركات الفاخرة.
لا يمكننا إنكار أن السيارة الجيدة مريحة وعملية، ولا عيب في أن يسعى الإنسان لامتلاك سيارة تناسب احتياجاته وإمكانياته. لكن المشكلة تكمن عندما تتحول هذه الرغبة المشروعة إلى هوس يسيطر على تفكير الشباب ويحدد خياراتهم الحياتية. المشكلة عندما يقيس الشاب نجاحه بحجم محرك سيارته، أو عندما تقيس الفتاة قيمتها بفخامة المقاعد الجلدية.
نحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتنا وقيمنا كمجتمع. نحتاج أن نعلم أبناءنا أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في عقله وقلبه وأخلاقه، وأن السيارة مجرد أداة تسهل الحياة وليست معياراً للحكم على البشر. نحتاج أن نخلق بيئة اجتماعية تحترم الإنسان لما هو عليه، لا لما يملك.
في النهاية، دعونا نتذكر أن الحياة أكبر بكثير من أن تُختزل في أربع عجلات وقطعة معدن. السعادة الحقيقية لا تُشترى بثمن السيارة، والنجاح الحقيقي لا يُقاس بعلامتها التجارية. فلنعد إلى القيم الأصيلة، ولنجعل من السيارة ما كانت عليه في الأساس: وسيلة انتقال تخدم أهدافنا الحقيقية في الحياة، لا هدفاً بحد ذاتها ولا معياراً نحكم به على قيمة الإنسان.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: زيادة الأسعار كيف يستطيع المواطن مواجهة التضخم وزيادة دخله




