سمية عبد المنعم تكتب: رقصة الهيكل العظمي البحث عن الذات الضائعة
نحن أبناء أزمات طفولتنا، منا من استطاع أن يتجاوزها ويتخذ لذاته سبيلا يرتضيه، ومنا من توقف به العمر عند عتبات بعينها، صارت تؤرق مضجع شبابه وشيخوخته، فأصبح لها منقادا، خاضعا.
وفى روايته «رقصة الهيكل العظمي»، يأخذنا الكاتب د. حاتم رضوان، فى إطار اجتماعى فلسفي، ليبحر بنا بين جنبات أحداث، نكتشف أنها تمس ذات كل منا بشكل أو بآخر، هكذا تتمحور الفكرة الرئيسية للرواية حول تساؤل مهم: هل جنوحنا نحو طريق الخير أو الشر إثر ما نواجهه من أحداث مفصلية فى حياتنا، أهو بإرادتنا الخالصة أم أننا مسيرون بفعل الأقدار، أم أن هناك قوة خفية تتحكم فى أفعالنا؟
البطل هنا هى فتاة تتعرض لظروف صعبة وانحدارات كثيرة فى حياتها تؤدى بها إلى سلوكيات شاذة وغير سوية، من هنا بدأت البطلة تبحث عن ذاتها الضائعة والتى لم تجدها فى عيون المقربين، خاصة أباها الذى اختار أن ينفرد بحياته بعد وفاة والدتها، وتركها لجدتها، فحاولت أن تعثر على تلك الروح التى افتقدتها فى عيون المعجبين، هكذا راحت تثير إعجاب الشباب، تنتزع الآهات من الصدور، فأتقنت لعبة الإغواء، تمارس نوعًا آخر ربما ارتبط بهواية كانت تجد فيها نفسها، وهى الرقص، حيث كانت تمارسه كلما اشتاقت إلى التحليق بروحها بعيدًا عن هذا العالم الذى لا تجد فيه ذاتها. فقد مثل لها الرقص وسيلة تعثر فيها على وجودها.
وفى توحد واضح مع الموروث الشعبي، ذى الدلالة النفسية والاجتماعية، تطل علينا قوة علوية، تصاحب البطلة طوال أحداث الرواية، وبينما نظن بتلك القوة ظن السوء فى بعض المواضع، يتأكد لنا أنها تعد المنقذ الأكبر لتلك الفتاة من ذاتها بل ومن قوى الشر حولها، فيما نلمح توجها صوفيا، يبلغ ذروته فى نهاية الرواية، التى تفتح أمام البطلة طريق الحق، كسبيل أوحد للخلاص.
يستخدم الكاتب فى روايته تقنية كتابة مختلفة، فهو يبدأ روايته بالحادث المأساوى الذى تعرضت له البطلة (حيث هو بداية عودتها للصواب)، والمشاهد المفصلية فى حياتها، ثم ينتقل لاستعراض المراحل المحورية فى حياة البطلة بمشاهد قصيرة متتابعة، كل مشهد على حدة، وهو لا يقسم الرواية لفصول الأول والثانى والثالث،.. ولكنه يقسمها إلى مشاهد، يحمل كل منها عنوانا، وكأن كل مشهد يمكنه أن يكون قصة قصيرة فى ذاته، فالرواية تحمل النفس القصصى الذى برع د.حاتم به، وأظنه متأثرا به كثيرا هنا.
وعن أسلوب السرد، فقد استخدم الكاتب الراوى العليم طوال الرواية، وإن كان هناك كثير من المشاهد كان الأجدى معها استخدام ضمير المتكلم، خاصة فيما يتعلق بحديث هبه إلى ذاتها، وتعبيرها عن مشاعرها.
وعن اللغة، فالكاتب يستخدم لغة تجمع بين الرصانة والسهولة، حتى ما استخدمه من مفردات ومصطلحات قد يصعب فهمها على القارئ العادى فسرها فى نهاية الرواية، وهو ما يحسب له.
فيما يحمل عنوان الرواية «رقصة الهيكل العظمي»، رمزية كبرى، فهو مستوحى من رقصة الجيك، أو الفولكلور الإسكيمو، الذى ورد ذكره فى الرواية، وهو الهيكل العظمى الذى كان يهوى الرقص حيًا، فاستمر رقصه حتى بعد موته، وهو ما يمثل حالة البطلة ويرمز إلى أهمية الرقص كنوع من التطهير ونوع من البحث عن الذات والوجود وإثبات أنها ما زالت تحيا.
فالهيكل العظمى هنا يرمز به إلى أن البطلة تفتقد الحياة وهى ما زالت على قيدها، ولكنها رغم ذلك ما زالت ترقص، وكأنها تبحث عن الخلاص والتحليق فى عالم الحرية عن طريق فعل الرقص.
نهاية.. نحن أمام رواية اجتماعية نفسية، حاولت أن تجيب عن تساؤل فلسفى عميق ولكنه بسيط فى الوقت ذاته، هى رواية تنضم إلى رصيد زاخر بالإبداع، ما بين روايات ومجموعات قصصية، ومشوار أدبى يحترم، للكاتب الطبيب حاتم رضوان.
اقرأ أيضا
سمية عبد المنعم تكتب: ياوزير الثقافة .. بيدك لا بيد عمرو




