سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: صرخات يائسة من قلوب الأموات (4)
شعور رهيب من الحزن الممزوج باليأس وفقدان الأمل حملته رسائل بالمئات تلقيتها من أصحاب المعاشات، وهو شعور لا يحس به إلّا كل من وصل إلى سن الستين، ولم يعد له مورد رزق أو دخل سوى معاش زهيد لا يكفى مواجهة أسبوع واحد من العيش الكريم.
فى تلك السن الحرجة يحتاج المرء إلى من يحنو عليه، وهو ما يحدث فى دول كثيرة غير مصر، فمن يتجاوز الستين فى بلادنا، يجب أن يجهز نفسه مبكرا لقبضة «عزرائيل» فذلك أرحم له من العيش فى ظل حكومة تعتبره ميتاً، حتى ولو كان فى رقبته زوجة وأبناء وبنات عاطلون عن العمل، عاجزون عن مواجهة الواسطة والمحسوبية واستغلال القطاع الخاص.
ما أصعبه من مشهد، ترى فيه دموع رجل فوق الستين تحف خديه؛ ألمًا وحسرة على ما وصل إليه بعد أن أخذت الدولة صحته وشبابه لحمًا وتركته عظمًا، قبل أن تلقى به فى غياهب النسيان، ترفع أجور كل أبناء الوطن إلا هو، يكفيه ما تيسر من عوائد ما استقطع من راتبه أكثر من 35 عامًا، أموالًا بددتها حكومات سابقة، واستغلتها شماعة الحكومات المتعاقبة، ترمى له فقط 15% زيادة سنوية، يلتهمها التضخم وغول أسعار السلع والخدمات، وكأنه يختلف عن بقية المصريين.
فماذا يفعل من كان يومًا ينتمى للطبقة المتوسطة، يحيا براتب وبدلات ومكافآت وحوافز وزيادات فى الحد الأدنى للأجور، قبل أن تعتل صحته ونفسيته، ويشعر أنه تحول صفراً على الشمال؟ يدخل مجبراً نفق «الكحيانين»، ليطفح المرار، ويشتم رائحة الموت يومياً وهو حى على قيد الحياة!
يعانى أمراضاً مزمنة لا يستطيع تدبير علاجها إلا من خلال «التدمير» الصحى أو ما يعرف بالتأمين، حيث أردأ وأرخص أنواع الدواء، و«مرمطة ما بعدها مرمطة» من أصغر ممرض وممرضة وعامل أمن حتى أكبر طبيب، وزيارة إلى أى مستشفى للتأمين الصحى تكفى للوقوف على مدى الذل والامتهان وما تتعرض له هذه الفئة من سوء معاملة وازدراء واحتقار.
تلك كانت خلاصة ما تلقته من رسائل رواها أصحابها بكم فظيع من الإحباط من الحكومة ونواب البرلمان، وكما يقول معتز الهادى «لا تتعب نفسك، نحن لسنا فى الحسبان، كل يهرب من مسئوليته تجاهنا، رئيس الوزراء يقول سيبحث مع رئيس هيئة التأمينات والأخير يلتزم الصمت ونواب الشعب يدورون فى حلقة مفرغة من الضجيج مكبلين بقانون للتأمينات ينبغى تعديله فوراً، ولكنهم لا يستطيعون، إلا بتوجيهات».
وبكلمات يمزقها الأسى يصرخ من وقع رسالته بابن سيناء «لا توجد دولة تعامل من بنوها ودافعوا عنها بهذه الطريقة، ويبدو أننا أصبحنا عاراً وعبئاً على حكومة تتخلص منا بالفقر والتجويع والإهمال».
وبحرقة لا يكابدها سواها تقول الأرملة نهلة الدمرداش: «خرج زوجى على درجة مدير بالتعليم ومعاشه حتى الآن لم يصل إلى 4000 جنيه، وما زلت أصرف على ابن فى الجامعة، وابنة مخطوبة ولا تعمل، ولا أدرى كيف أجهزها وأنا ربة بيت، ولولا مساعدة أهلى وإخوتى، ما عشنا حتى اليوم، ولا أعرف مصيرنا بعد أن يتم طردنا من شقة أسكنها بإيجار قديم، ربنا يجازيك خيرا على ما تكتبه، ولكن للأسف أنت تُحدث حكومة لا تسمع، تتعامل بأسلوب حاورينى يا كيكة، وبتلعب معنا لعبة الثعلب فات فات، وفى ديله سبع لفات».
ووسط كل هذا اليأس لا تستبعد الحاجة سوزى أن يتدخل الرئيس السيسى، ويوجه بتعديل قانون التأمينات ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى ستة آلاف جنيه، فمن ينقذ الفقراء وينصر ذوى الهمم لن يظلم أبدا أصحاب المعاشات، يا قادر يا كريم.
وللحديث بقية إن شاء الله
SAMYSABRY19@GMAIL.COM
موضوعات متعلقة:
سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: لاتظلموا أبناء البطة السوداء (3)
سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: قانون جديد للمعاشات (2)
سامي صبري يكتب لـ «30 يوم»: ارحموا أصحاب المعاشات (1)




