توبكُتّاب وآراء

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: حين يتحول المولد إلى وطن مؤقت

فى موالد مصر، لا تسأل عن الاسم ولا عن العنوان، ولا عن الطبقة أو الانتماء.. كل ما عليك أن تمد يدك، فهناك دائمًا من يسبقك إليها بالطعام، ومن يسبق السؤال بالإجابة، ومن يسبق الحاجة بالكرم. مشاهد قد تبدو جنونية فى ظاهرها، لكنها شديدة الإنسانية فى جوهرها، طقوس لا تراها بهذا الصفاء فى أى بلد آخر.

فى أيام المولد، يترك أناس بيوتهم وأعمالهم، ويحملون قدورهم وأوانيهم، ويتنقلون بين المحافظات لا للسياحة ولا للتجارة، بل لما يسمونه ببساطة: الخدمة. خدمة زوار آل البيت، بلا مقابل، بلا لافتات، بلا كاميرات. كأنهم يؤدون نذرًا قديمًا لا يكتمل إلا بين الخيام.

أعضاء الطرق الصوفية والدراويش، ورجال بسطاء لا يحملون ألقابًا، يتناوبون على إعداد الطعام وتقديم الشراب، يسكبون الشاى كما لو كانوا يسكبون دعاءً، ويوزعون الأرز واللحم والفول والمكرونة وكأنهم يوزعون طمأنينة. كرمٌ يتجاوز الحكايات، ويضع حاتم الطائى نفسه فى موضع المقارنة.

ومن بين هذه المشاهد، تبرز خدمة شهيرة تحمل اسمًا لا يُنسى: خدمة «أبو نبوت». حفيد أبو نبوت يأتى من أسيوط إلى القاهرة مع كل مولد كبير -السيدة زينب، الحسين، على زين العابدين، السيدة نفيسة- لا يأتى وحده، بل يأتى بتاريخ، وبطقس متوارث، وبقناعة راسخة أن هذا الطريق هو طريق الخير كما بدأه جده الأكبر بعربة «فول نابت» ولفظ آخر أنفاسه وهو يخدم زوار الحسين.

يصطحب الرجل أدوات الطهى، واللحوم، والأرز، والبقول، والسكر، والشاى، وكل ما يلزم لإطعام البشر. تُنصب الخيام، وتظل مفتوحة أحد عشر يومًا كاملة. يدخلها المئات، وربما الآلاف، من كل المستويات الاجتماعية: الغنى والفقير، المتعلم والبسيط، المقيم والعابر. لا يُسأل أحد عن اسمه، ولا عن قصته، فالجميع -كما يقولون- لا بد أن يحصل على النفحة.

هذه الخدمة لا تعتمد على ميزانية ثابتة ولا دعم رسمى، بل على تبرعات «الطيبين»، أولئك الذين يرون فى العطاء فعل عبادة، لا يحتاج إعلانا. حفيد أبو نبوت لا يعتبر ما يفعله بطولة، بل واجبًا، ولا يرى نفسه صاحب فضل، بل خادمًا على باب آل البيت.

قد يراها البعض طقوسًا غريبة، أو مشاهد خارجة عن المألوف، لكن من يقترب منها يعرف أنها خلاصة التصوف المصرى: زُهد بلا ادعاء، ومحبة بلا شروط، وكرم لا ينتظر شكرًا. هنا، فى المولد، تصبح مصر أكثر شبهًا بنفسها، بلدًا يعرف كيف يختلف، يثور، لكنه لا يعرف كيف يبخل.

فى زمن تتقلص فيه العلاقات الإنسانية، وتُحسب فيه كل الأشياء بالأرقام، تظل موائد الموالد مساحة مفتوحة للرحمة. لا أحد يسأل: لماذا؟ الجميع يعرف الإجابة جيدًا، هكذا يحب المصريون آل البيت.. وهكذا يحب الناس بعضها البعض، ولو لعدة أيام. إنها دعوة للحب، دعوة لعودة الألفة والمحبة لمجتمعنا الذى بات غريبا فى السنوات الأخيرة، مختلفًا عن ذلك الذى عشناه ونحن فى مقتبل العمر ويأخذنا الحنين إليه فنكتشف أنه صار ماضيًا لن يعود.

Khalededrees2020@gmail.com

 اقرأ أيضا

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: انتخابات الوفد .. درس متجدد في الديمراطية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى