سماحة سليمان تكتب لـ «30 يوم» : الحب… بين كلمة وفعل وروح

كلمة “بحبك” تبدو بسيطة، لكنها تحمل أعماقًا كبيرة… أعماقًا لا يراها إلا من يتأمل بصدق.
أسهل كلمة يمكن قولها، وأصعب كلمة يمكن العيش بها.
الناس تحب، لكن غالبًا حبهم مرتبط بشروط.
حتى لو كان هناك احترام متبادل، عطاء متبادل، شعور بالأمان… يبقى الحب معلقًا على هذا التوازن الدقيق.
وإذا اختل، بدأ الشعور يتلاشى، ليس لأننا فقدنا القدرة على الحب، بل لأن الفطرة البشرية تبحث عن عدالة شعورية.
ليش بنحب؟
نحب لأن الحب فطرة في داخلنا، جزء من طبيعتنا البشرية التي تبحث عن الانتماء والأمان.
نحب لأن القلب يحتاج أن يُفهم، والروح تحتاج أن تُحترم، والعقل يحتاج أن يشعر بالقيمة.
نحب لأن الحب يملأ فراغنا، ويخفف شعور الوحدة الذي يزورنا أحيانًا بلا إنذار.
نحب لأن الحب يجمعنا، يبني روابط متينة بين البشر، ويخلق مجتمعات أقوى وأكثر رحمة.
نحب لأن الحب يعلمنا أن نعطي بلا انتظار، أن نتجاوز الذات، أن نرى العالم بعين أكبر من عيوننا.
حتى لو كان الحب غالبًا مشروطًا أو مرتبطًا بتبادل، يبقى شعورًا ضروريًا… رحلة نتعلم فيها عن أنفسنا، عن الآخرين، وعن معنى أن نكون أحياء.
الحب في الحياة اليومية
قد تحب شخصًا بشدة، لكنك سرعان ما تكتشف أن الحب وحده لا يكفي.
قد يكون هناك أمل في التقدير، دعم، أو مشاركة اللحظات الصعبة…
وأحيانًا تجد نفسك تمنح بلا حدود، بينما الطرف الآخر يأخذ فقط، دون أن يعطي.
هنا يظهر الاختبار الحقيقي للحب: هل نستمر؟ هل نضع شروطنا؟ أم نكتفي بما نحن عليه؟
الحب… هل هو مشروط أم خالص؟
الحب بين البشر غالبًا مشروط.
نحب لأننا نحتاج الأمان، التقدير، المشاركة، الدعم…
حتى أعظم العلاقات بين البشر تحتاج تبادلًا، حتى لو كان ضمنيًّا، غير معلن.
إذا اختل التوازن، بدأ الحب بالضعف أو الانتهاء.
لكن هناك حب أسمى، الحب الروحي، حب الله… يبدو خالصًا، بلا انتظار مقابل من البشر.
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾
حتى هذا الحب يحمل دافعًا داخليًا، رغبة خفية في رضا الله، وفي الخير، وفي نمو الروح.
إذن، حتى أسمى أنواع الحب، هناك نوع من “الشرط”، لكنه نقّي، مختلف عن شروط البشر، لأنه مرتبط بالنية والروح لا بالمصلحة أو التبادل العاطفي.
الحب المشروط والحب الخالص
حتى أصدق العلاقات بين البشر… غالبًا ما تحمل نوعًا من التبادل.
تبادل مشاعر، طاقة، دعم، اهتمام…
الحب الخالص، الذي لا ينتظر مقابلًا، نادر جدًا.
والأكثر نادرة، أن تجد الحب الذي يزدهر بلا شروط من أي طرف.
الفرق بين الحب البشري والحب الروحي واضح:
الحب البشري غالبًا مرتبط بالحاجة، بالعطاء والأخذ المتبادل.
الحب الروحي مرتبط بالنية الداخلية والتطلّع للارتقاء الروحي، ويمنح شعورًا بالسلام والقوة لا يمكن لأي بشر أن يمنحه.
الحب… رحلة مستمرة
كل حب بين البشر يحمل شروطه… بعض هذه الشروط معلن، وبعضها مخفي.
حتى الحب المثالي بين الزوجين، أو الصديقين المقربين، يتطلب تقديرًا، دعمًا، توازنًا.
والحب الخالص… الحب الذي يرتبط بالروح والله…
هو الذي يجعل لكل كلمة “بحبك” وزنها الحقيقي،
ويحوّل العطاء إلى نور، يتجاوز حدود المادة والذات.
في النهاية، الحب رحلة…
رحلة نكتشف فيها أنفسنا، ونتعلم أن نعطي بلا انتظار مقابل، أن نحب بلا شروط بشرية، وأن نعيش معنى أسمى من مجرد كلمة.
الحب هو الفعل، والنية، والروح… والقدرة على الاستمرار رغم كل شيء.