محمد الأمين شعبان يكتب لـ «30 يوم» : تكاملية العلم والفلسفة

في ظل التعقيدات المتزايدة للمشهد المعرفي، يبرز من الضروري تجاوز الفصل التقليدي بين التخصصات الأكاديمية، وخاصة بين العلم والفلسفة. فقد كانت العلاقة بين العلم والفلسفة في العصور القديمة متكاملة، كما يتضح في أعمال الفلاسفة مثل أرسطو، الذين جمعوا بين التفكير الفلسفي والملاحظة العلمية. ومع مرور الوقت، وتحت تأثير الفكر الديني في العصور الوسطى، ثم بروز التيارات الفلسفية الحديثة، بدأ التباعد بين العلم والفلسفة من حيث موضوعات اهتمام كل منهما.
أدى هذا الانفصال بين العلم والفلسفة إلى ظهور فجوة معرفية، بالإضافة إلى تطور علوم اختزالية تهمل الأبعاد الفلسفية العميقة. وهذا بدوره عزز الحاجة الملحة إلى تبني رؤية جديدة تربط بين العلم والفلسفة عبر مفهوم “البينية”.
يشير مفهوم “البينية” إلى التداخل بين مجالات معرفية متعددة بهدف تحقيق فهم أعمق أو إيجاد حلول مبتكرة لمشكلات معقدة. يتجاوز هذا المفهوم الحدود التقليدية للتخصصات الأكاديمية، ويعتمد على دمج الأدوات والمعرفة والنظريات من تخصصات مختلفة لتحقيق نتائج تتجاوز قدرة كل تخصص على حدة. من خلال تبادل المعارف بين التخصصات، يصبح من الممكن الوصول إلى رؤى شمولية وإبداعية، مما يعزز القدرة على التعامل مع المشكلات المعقدة بطرق مبتكرة.
يتطلب النهج البيني مرونة في استخدام الأدوات والتقنيات المتنوعة، ويستند إلى التكامل المعرفي عبر تخطي الحدود بين التخصصات. على سبيل المثال، من خلال دمج علوم الأعصاب والفلسفة والفيزياء، يمكننا الحصول على فهم أعمق وأشمل لطبيعة العقل، ما يؤدي إلى تطوير رؤية متكاملة تعزز من قدرتنا على التعامل مع الأسئلة الجوهرية.
يعد الفيلسوف المعاصر ماريو بونجي (١٩١٩ – ٢٠٢٠) من أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تجاوز الفصل بين العلم والفلسفة، حيث دعا إلى نموذج معرفي يعتمد على “النسقية”. هذا النموذج يهدف إلى تطوير أنظمة معرفية متكاملة تتفاعل فيها مفاهيم الأنطولوجيا (طبيعة الوجود)، والإبستمولوجيا (نظرية المعرفة)، والأخلاق، مما يسهم في بناء رؤية أكثر ترابطًا للواقع. بونجي رفض النظرة التجزيئية التي تعزل التخصصات، مؤكداً أن القضايا الكبرى مثل مشكلة العقل والجسد لا يمكن معالجتها إلا من خلال نهج تكاملي.
رغم أهمية نموذج “النسقية” الذي قدمه بونجي، إلا أن تطبيقه يواجه تحديات كبيرة بسبب التباين المنهجي بين الفلسفة والعلم. فبينما يعتمد العلم على المناهج التجريبية والرياضية، تركز الفلسفة على التحليل النقدي والمفاهيمي. الحل يكمن في البحث عن نقاط التلاقي بين الفلسفة والعلم، وليس في اختزال أحدهما في الآخر، مما يساهم في تحقيق تفاعل معرفي من شأنه أن يعزز من قدرتنا على معالجة القضايا المعقدة.
تعد البنية الأكاديمية التقليدية من أبرز العوائق التي تحد من التفاعل بين التخصصات. حيث أن تقسيم الجامعات إلى كليات منفصلة يمنع تشكيل فرق بحثية بينية، مما يعرقل تبادل المعرفة بين التخصصات. لذلك، فإن إصلاح التعليم ليشجع على الجمع بين الفلسفة والعلوم منذ المراحل الأولى يمكن أن يسهم في تكوين جيل جديد قادر على التفكير بمنطق تكاملي، مما يعزز قدرة الأفراد على معالجة القضايا المعرفية من منظور شامل.
إن العلاقة بين العلم والفلسفة تحتاج إلى إعادة صياغة تتجاوز الفصل الصارم الذي استمر لقرون. فالتكامل بينهما لا يعني إلغاء اختلافاتهما المنهجية، بل يتطلب بناء جسور معرفية تتيح التفاعل البنّاء بين المجالين. من خلال تبني نهج بيني وتكاملي، يصبح بالإمكان تجاوز الأزمات الفكرية الناجمة عن القطيعة بينهما، والتي أثرت على تطور المعرفة الإنسانية.
يعد الانعزال بين التخصصات إحدى هذه الأزمات، حيث أدى الفصل الواضح بين المجالات الأكاديمية إلى إعاقة التفاعل بين العلماء والفلاسفة، مما حدَّ من إمكانية تطوير حلول شاملة للمشكلات المعقدة التي تتطلب معالجة متعددة التخصصات، مثل قضايا الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي، وفي محاولة لإيجاد حلول لهذه الأزمات، تعمل بعض المؤسسات البحثية الكبرى، مثل اليونسكو والاتحاد الأوروبي للعلوم والفلسفة، على دعم المشروعات البينية التي تجمع بين الفلسفة والعلم. وتهدف هذه المشروعات إلى معالجة قضايا معقدة مثل الاستدامة، والتغير المناخي، والأخلاقيات البيولوجية، وذلك من خلال تعزيز التعاون بين مختلف التخصصات لتحقيق فهم أكثر تكاملًا وشمولية. وهو ما انتبهت إليه بعض الهيئات الدولية بالبحث عن حلول يشارك فيها متخصصون من ميادين معرفية وتكنولوجية مختلفة.
إن تبني نهج يجمع بين مختلف المجالات المعرفية يمكن أن يسهم في توسيع الأفق الفكري وبلورة رؤية أكثر اتساقًا وشمولية للواقع. وفي عصرنا الحالي، أصبح التكامل بين العلم والفلسفة ضرورة ملحة، حيث يساعد في تجاوز الفجوة بينهما ويتيح فهماً أعمق للواقع. من خلال تعزيز هذا التكامل وتبني مفهوم “البينية”، يمكننا التوصل إلى حلول مبتكرة للمشكلات المعقدة، وخلق رؤية معرفية متماسكة تربط بين مختلف أبعاد الفكر الإنساني.
كاتب المقال .. مدرس مساعد بكلية الأداب جامعة المنيا