الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم» : ذكريات مع جدتي …!

اعتدت كل صباح قبل الذهاب إلى مدرستي أن أتناول كوباً من الحليب من يد جدتي التي طالما أحببتها حباً جماً ، تصحو باكراً مع خيوط الفجر الأولى برفقة جدي الذي كان شغوفاً بقراءة القرٱن بصوت يُسمع في البيت كلّه ، كان لديه رغبة أن يستيقظ الكبير والصغير باكراً ليبدأ يومه بصلاة الفجر فيكون نهاره نشيطاً .
كانت جدتي زمبلك ساعة مذهل في أسرتنا الكثيرة العدد المتحابة ، أما أمي فكانت تلك الكنّة المدللة التي تستيقظ لترى فنجان قهوتها مع أبي حاهزاً .
لم تكن جدتي تنادي أمي باسمها بل كانت تناديها يابنتي ؟
كبرتُ وعرفتُ حجم المحبة التي كانت أمي تغدق بها على جدي وجدتي وأبي . والحقيقة والحق يقال لقد ولدت في بيت يملؤه الدفء والحنان والخير والكرم فقد ترعرعت بين أحضان الأم والأب والجدّ والجدّة ، يطوقني الاهتمام من الجهات الأربع وعلى مدار الأيام .
كنت مغرمة بجمال جدتي أنثى جميلة طويلة القامة ذات عينين خضراوين وخدود حمراء وشعر خرنوبي اللون تحزمه بضفيرتين كل صباح وتغطيه بمنديل سكري اللون مطرز ينسدل على كتفيها ، فتظهر كملكة من ملكات الفراعنة ، ترتدي فستانا طويلا يغطي منكبيها وتزنر خصرها بربطة فتبدو سيدة بوقار ظاهر ، أحببت جدتي لدرجة لا توصف فقد كانت نبع محبة دافق لايصيبه الجفاف ، وأكثر ما شدني إليها اهتمامها بضيوف يتوافدون مساءً يزورون جدي.. تقدم لهم القهوة والتمر و التين المجفف وهم يتحلقون حول مدفأة في ايام كانون الباردة وتدورالأحاديث الليلية عن القرية ومافيها من مستجدات واخبار كانت جدتي تسمع الأحاديث التي تدار حول الأسر التي لديها أوضاع متوعكة اقتصاديا وتحتفظ باسم تلك الاسرة في ذاكرتها الحديدية تدون برأسها أسمائهم دون أن تنساها. فهي لاتعرف الكتابه ، ولشد ما أذهلني في طفولتي الأولى إصرار جدتي على ارسال بعض الحاجيات المنزلية الفائضة عن حاجتنا لأسر فقيرة ليلاً وبشكل سري حيث كان الأمان الذي نفتقده الآن . وقد أكون أنا او أخي من يقوم بمهمة التوصيل لأننا أكبر أفراد الأسرة ، أين أنت ياجدتي وأياديك البيضاء لوتأتين وتنظري ما حل بأمة العرب الفقر والجوع بات في كل مكان.
اشتاقك ياجدتي واشتاق طهر يديك المعطائتين..تتذكرين كيف تصرين ان نوصل بعض المساعدات دون كلام
مازال صوتك محفور في ذاكرتي وأنت تقول لاداعي للثرثرة والكلام .
تنفيذاً لمقولة جدي من يعطي باليد اليمنى لايعلم اليد اليسرى .
جدتي كانت تعطي بالخفاء ودون ذكر للأسماء وقد ورثت هذه العادة من بعدها أمي المدرسة التي خرجت منها اولاداً وأحفاداً يتجاوز عددهم الأربعين .
من ظريف الذكريات معها في طفولتي حيث كنت في الصف السادس الابتدائي. عندما طلبت مني جدتي أن أجلب لها وعاءاً كبيراً من الماء الساخن وأدخل معها لغرفة أمي وأبقى بجانبها وهي تساعد أمي في أستقبال مولود جديد ،
ولكم كانت دهشتي وفرحي بجدتي عندما رأيتها تقدم لي بين يديها طفلاً كالملاك وشعرت بمشاعر مذهلة أعيشها لأول مرة في حياتي ، أحسست وقتها أن جدتي إنسانة خارقة فأمي كانت تتألم وهي تنتظر مولوداً وجدتي كانت تقول لها بعض لتوجيهات وتصفها بالقوية إلى أن كان المولود أخي الصغير نزيه .جدتي كانت (داية عربية) تولد النساءفي بيوتهن دون حاجة لغرفة انعاش او دكتور مساعد ولاتقبل ان تتقاضى أجراً من أحد ..
لأول مرة أكتشف عظمة جدتي وقوتها كنت أشعر بها قادرة على فعل أي شيء .
وهي وبعلم الجميع كان اسمها ذكية وجدي يقول عنها اسم على مسمى …
كانت ذكية لماحة أحبها كل من عرفها عشت معها طفولة تفيض حناناً ومحبةً ودفئاً نادراً ماتراه في هذا الزمن ، جدتي التي اعتادت أن تعد وجبات من الطعام تزيد عن حاجتنا ،وكان ذلك يكلفها جهداً كبيراً لكنها كانت لا تأبه بذلك فهي تعلم أن هناك أطباق من الطعام يجب أن توزع لأسر معينة كي تنام جدتي هنيئة البال قريرة العين .
عرفت جدتي بأطباقها الشهية والتي كانت رائحتها تصل حتى الشارع ، لاسيما شوربة العدس والهريسة مع الدجاج التي كانت تمضي ساعات تراقبها وهي تخفق قمحها بلحمها حتى تغدو مشللة وتذوب بطعمها الشهي على الجمر ، تحت ظلال أشجار السرو ودالية العنب التي تزنر بيتنا وما زالت ترخي عناقيدها وتحتفظ بحلاوة طعمها .
وأنا مازلت أحتفظ على رفوف الذاكرة بكل لحظات الدفء والحنان التي أغدقتها جدتي على جميع أفراد أسرتنا…
في صبيحة يوم شتوي غادرتنا جدتي لدنيا الحق حزن عليها الكبار والصغار والأطفال كان لها جنازة مهيبة
وبكيت عليها بكاءً مريراً.
أيام ترسخت في ذاكرتي و ما زالت تداعب خيالي أستذكرها و أعيش تفاصيلها الجميلة وكأنها حدثت البارحة .
اقرأ أيضا
الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم» : بين أحضان الثلج وعلى الشطٱن.
الأديبة السورية هيام سلوم تكتب : سورية عمود السماء تنهض من الرماد كالعنقاء