الإعلامي حمدي رزق يكتب: والفتنة الكروية أشد!
والدعاء موصول، اللهم قِنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وما ظهر منها وصار مقلقًا: الفتنة الكروية، والعاملون عليها كثر، من داخل الحدود ومن خارجها، والفضاء الإلكتروني معبأ بمسببات الفتنة، وجمهور الكرة صار مفتتنًا حول كرة ضالة جاوزت خط المرمى، أو ضربة جزاء يراوحها شك.
الاحتراب الكروي الحادث ما يُخشى منه على السلم المجتمعي، هناك روح شريرة تلبست العقل الكروي، ورغم الاحترازات الكروية، وقرارات المنع والإيقاف الإدارية لمثيري الفتنة، فإن مثيري الفتنة لا يزالون رابصين في الدغل الإلكتروني، متربصين بكل شاردة كروية يحولونها إلى كرات لهب تحرق وجوه المشجعين.
الحمد لله، موسم الفتنة الكروية يمضي سريعًا، ولم يتبقَّ سوى مباريات معدودة، وتلتف الجماهير حول منتخبها الوطني في مهمة الدفاع عن سمعة الكرة المصرية في محفل كأس العالم الكبير في النصف الآخر من الكرة الأرضية (في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك)، حيث يلاقي منتخبنا كبار المنتخبات العالمية، ويرسم صورة نتمناها على قدر الآمال المعقودة.
درس الفتنة يعوزنا، تجمعت الأسباب والفتنة نائمة، فاستيقظت بفعل فاعل، طوال عمر الكرة المصرية تعاني قطبية سالبة بين الأهلي والزمالك، بين الأحمر والأبيض، ولم يغير من ماء البحيرة الكروية شيء، لكن الفتنة هذا الموسم استعرت، والأنياب الصفراء برزت، والاتهامات مثل نار تشوي الوجوه.
للأسف، غابت الروح الرياضية، وغارت مياهها في آبار عميقة، وتجسدت وجوه الفتنة تتراقص على شاشاتها، وزادها أوارًا الكتائب الإلكترونية الموجهة من خارج الوسط الرياضي، كتائب مسيسة وجدت في الاحتراب الكروي كعب أخيل العاري لتصيب السلم المجتمعي بسهم كروي مسموم.
المنشورات المسمومة، والفيديوهات الملغومة تشعل غضب الجماهير، ليست طق حنك أو كلامًا ساكتًا، أو تزجيةً لأوقات الفراغ، أو لزوم ما يلزم من لزوميات التسلية، منشورات وفيديوهات مصنوعة باحترافية شريرة، ومكتوبة بحروف من مداد (سم زعاف)، هناك من ينفقون على فيديوهات الفتنة الكروية إنفاق من لا يخشى الفقر، ومراجعة فيديوهات الفتنة ووجوهها الإخوانية أو المتآخونة على كِبَرٍ دليل على ما نقول.
الفتنة الكروية لها أسبابها الرياضية، سيما ما يتعلق بالنزاهة التحكيمية والعدالة المفتقدة في المنظومة الكروية، ولكنها أسباب لا ترقى إلى إشعال جذوة الاحتراب الكروي بين أكبر حزبين في مصر، الأهلي والزمالك، وهما حزبان يحكمان المزاج العام فوزًا وهزيمة، والعقل الجمعي بات مبلبلًا بين الأحمر والأبيض، وكلاهما يزعم مظلومية كروية تشبه إلى حد كبير المظلومية الإخوانية المزعومة.
الأخطر دق (أسفين سياسي) بين الكبيرين (الأهلي والزمالك) بزعم أن الأهلي نادي الحكومة المدلل تدليلًا، والزمالك نادي المنظومة التي ترتدي الأبيض على اللحم العاري، والحكومة في شغل عن هذا الحكي البغيض المكرور، وترتدي ثيابها بكامل الاحترام لجماهير القطبين، وربما تجنب وزراؤها اللونين الأحمر والأبيض اتقاءً لاتهامات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يذهب الوزراء (كعادتهم) التي درجوا عليها في مواسم مضت، إلى المباريات حتى لا يحسبهم المفتونون على ذمة الأهلي والزمالك.
افتعال شقاق سياسي في محفل رياضي ما يترجم فتنة، ويخلف مزقًا في النسيج المجتمعي على لونين، وهذا لعمري من كبائر الأمور، ونار الفتنة عادة من مستصغر الشرر، والفوضى ضاربة في المنظومة الرياضية، والإحساس الجمعي بافتقاد العدالة يعكر المزاج العام، ما يُخشى منه في المدرجات، ولا تسل عن تحديد أعداد الجماهير والفصل الحادث بينهما خلف المرمى، طالما الفتنة الكروية مستعرة، والعاملون عليها نشطون في إشعالها. وقانا الله من فتن شريرة، وهذا بفضل من الله ورحمته، والوعي الجمعي الذي يلفظ الفتن، وصار واعيًا لخطورتها، ولكن الفتنة الكروية أخطرها جميعًا، المتربصون فشلوا في إشعال الفتنة الطائفية بفعل الوعي الجمعي، والفتنة الكروية أشد خطرًا، لغيبة الروح الرياضية، وارتفاع منسوب التعصب، والتطرف في القول، والإساءات المتعمدة من شذاذ الآفاق على الجانبين (الأحمر والأبيض) دون رادع حقيقي وحاسم وصارم.
أخشى أن الفتنة الكروية لا تشغل بال المهتمين بالشأن العام باعتبار الكرة (لعبة) وإن كانت شعبية، وتسلية وإن كانت موسمية، وتزجية فراغ مجتمعي، لكنها بالمحسوس خطيرة وآثارها وخيمة على السلم المجتمعي، لذا وجب الاحتراز، والحذر، والتوقي من أسبابها، والعمل على نزع فتيلها الموقوت، وتبريد المدرجات الساخنة، والتعويل على حكماء المنظومة الرياضية، ومجالس إدارات الكبيرين، وعقلانية نجوم الزمن الجميل.
زمنًا مضى كان الأهلي والزمالك ينزلان الملعب في مباريات القمة متحابين، متشابكي الأيدي، في صورة تجسد الروح الرياضية.
زمنًا ماضيًا كان الخطيب (بيبو) يرتدي الأبيض مجاملة للزمالك، وينزل بصحبة حسن شحاتة (المعلم) مرتديًا الأحمر لتحية الجماهير، وابتسامة مشرقة على المدرجات، ومزاج شعبي يميل للمزاح المحبب، وحكي طيب الذكر العم نجيب المستكاوي عن صراع العتاولة والعناتيل..
ماذا حدث؟
ولماذا يحدث؟
وكيف السبيل للتخارج من شبح الفتنة؟
تعجب، جماهير الأحمر عند الدقيقة (عشرين) تحتفي بشهداء الأبيض، وجماهير الأبيض عند الدقيقة (سبعين) تحتفي بشهداء الأحمر، في نموذج راقٍ للروح الرياضية، الأحياء أولى بهذه الروح الرياضية، والشهداء يستشعرونها، لماذا غابت وتغيب هذه الروح عن المدرجات في هذا الموسم الساخن كرويًا؟
وقبل أن يعييك البحث عن الإجابة، هي الكتائب الإلكترونية المأجورة مصدر الشرور جميعًا، متربصة في الدغل الإلكتروني، تصدر الجفوة، عاملة على الفتنة، تعكر المزاج الرياضي، كتائب مجهولة النسب، لكنها معلومة الهدف، إذا لم يصادفوا نارًا أشعلوها، ونفخوا فيها، وإذا لم يقعوا على فتنة اخترعوها، و«شيرُوها» في فضاءات المصريين، وليس أسهل عليهم من الفتنة الكروية، الكرة ساحرة، لكنها في الغالب ساحرة شريرة.
اقرأ أيضا
الإعلامي حمدي رزق يكتب: ومهما كان انتي مصر




