شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: حين تفقد الحقيقة قدرتها على اللحاق
هناك أخبار لا تحتاج إلى أكثر من هاتف واحد كي تعبر مدينة كاملة وربما بلدا بأكمله قبل أن يعرف أحد من أين بدأت. صورة تظهر فجأة جملة مبتورة تنتشر كأنها كاملة مقطع قصير يفتح بابا واسعا للتخمين وبعد دقائق يصبح للناس موقف واضح من شيء لم تكتمل قصته بعد ثم تصل الحقيقة لكنها تصل متأخرة تدخل المشهد بهدوء تحمل معها التفاصيل التي لم يعرفها أحد وتبحث عن مكان بين أحكام صدرت بالفعل ومواقف تشكلت وانطباعات أصبحت راسخة في أذهان أصحابها.. المشكلة ليست أن الحقيقة تأخرت هذه المرة.. المشكلة أن العالم أصبح سريعا إلى الحد الذي يجعل الحقيقة حين تصل مطالبة بأن تثبت أنها الحقيقة هذه واحدة من أكثر مفارقات زمننا قسوة لم تعد الحقيقة تواجه الكذب وحده وإنما أصبحت تواجه سرعة الانتشار أيضا. والكذب في أحيان كثيرة لا يحتاج إلى قوة كي ينتصر مؤقتا يكفي أن يصل أولا كان الخبر قديمًا يمر بمراحل كثيرة قبل أن يصل إلى القارئ. هناك من يكتبه، ومن يراجعه، ومن يتحقق من مصدره، ومن يتحمل مسؤولية نشره. أما الآن فقد يستطيع شخص واحد أن يصنع رواية كاملة خلال دقائق ثم يتركها للعالم كي يكمل الباقي والعالم يفعل.
كل واحد يضيف جملة آخر يضع تفسيرا ثالث يربط الحكاية بواقعة قديمة رابع يضيف صورة لا علاقة لها بالموضوع.
وبعد ساعات لا يعود أحد يعرف أين انتهت المعلومة وبدأت القصة.. الأمر ليس جديدا تماما الشائعات عاشت مع الإنسان منذ عرف الكلام لكنها كانت في الماضي تمشي على أقدام الناس. اليوم لديها وسائل أسرع من قدرتنا على ملاحقتها.
وهنا تغيرت المعادلة لم تعد المشكلة في أن الكذبة تنتشر بل في أنها تستطيع أن تنتشر قبل أن تتاح للحقيقة فرصة الظهور والإنسان بطبيعته لا يحب الفراغ إذا سمع نصف الحكاية بحث عن نصفها الآخر. وإذا لم يجده قد يصنعه.
وإذا وجد رواية تبدو منطقية يميل إلى تصديقها خصوصا إذا كانت توافق ما يعتقده مسبقا.. وهذه نقطة شديدة الخطورة فنحن لا نصدق الأخبار فقط لأنها صحيحة بل قد نصدق بعضها لأنها تشبه ما نريد أن يكون صحيحا خبر يوافق غضبنا يلقى قبولا أسرع خبر يؤكد مخاوفنا يثير اهتمامنا خبر يسيء إلى شخص لا نحبه يجد من يرويه بحماس أكبر أما الخبر الذي يطلب منا أن ننتظر ونتحقق فقد يبدو أقل إثارة وهكذا تصبح الحقيقة في موقف غريب: مطالبة بالدقة في عالم يكافئ السرعة وهذا لا يعني أن السرعة عدو الصحافة.
على العكس الصحافة الحديثة مطالبة بأن تكون سريعة وأن تصل إلى القارئ في الوقت المناسب وأن تواكب الأحداث لحظة بلحظة لكن هناك فرقا بين السبق والاستعجال السبق أن تصل أولا لأنك كنت مستعدا.. أما الاستعجال فهو أن تنشر أولا لأنك تخشى أن يسبقك الآخرون والفرق بين الاثنين قد يكون خبرا صحيحا وقد يكون خطأ لا يمكن إصلاحه بسهولة فالصحفي لا يعمل في تجارة الانطباعات.. مهمته ليست أن يملأ الفراغ بأي كلام وإنما أن يحاول أن يضع أمام القارئ ما يستطيع إثباته.
وأحيانا تكون العبارة الأكثر مهنية في غرفة الأخبار هي: ننتظر التأكد قد يخسر الصحفي بها دقائق من السباق لكنه يكسب شيئا أهم: ثقة القارئ والثقة في العمل الصحفي لا تبنى بخبر واحد قد تحتاج سنوات وقد تهدمها معلومة واحدة غير دقيقة لذلك فإن القارئ نفسه أصبح شريكا في هذه المعركة لم يعد يكفي أن نقول إن وسائل الإعلام مسؤولة عن التحقق.
كل مستخدم للهاتف أصبح قادرا على نشر معلومة تصل إلى جمهور أكبر مما كانت تصل إليه صحف كاملة في زمن مضى وهنا أصبحت كلمة مشاركة أكثر خطورة مما تبدو أنت لا تضغط زرا فقط أنت تمنح المعلومة حياة جديدة قد تكون صحيحة وقد تكون ناقصة وقد تكون قديمة وقد تكون خرجت من سياقها والشيء الذي نشاركه لا يعود ملكنا بمجرد أن نكتشف أنه غير صحيح قد يكون قد وصل إلى شخص بنى عليه موقفا أو أساء بسببه إلى آخر أو نقله بدوره إلى عشرات غيره ولهذا فإن المسؤولية لم تعد تبدأ عند من كتب الخبر فقط أصبحت تبدأ أيضا عند من قرر أن ينقله ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف إلى المشهد سؤالا أكثر تعقيدا لم تعد الصورة وحدها كافية لإقناعنا بأن شيئا حدث ولا التسجيل الصوتي دليلا نهائيا على أن صاحبه قال ما نسمعه ولا الفيديو وحده ضمانا بأن المشهد جرى بالطريقة التي يبدو عليها أصبح ممكنا إنتاج محتوى شديد الإقناع في وقت قصير وهذا لا يعني أن علينا أن نشك في كل شيء لكن علينا أن ننتقل من عصر رأيت بعيني إلى عصر أكثر حذرا: من أين جاءت هذه الصورة؟ ومتى التقطت؟ ومن نشرها أولا؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكدها؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفا أصبحت جزءا من أبسط قواعد الوعي لكن هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة: حين تكثر الأخبار الكاذبة قد يفقد الناس الثقة في الأخبار كلها وهنا تكون الخسارة أكبر.
لأن المجتمع الذي لا يثق في أي معلومة يصبح أكثر عرضة للتلاعب لا أقل. فإذا قلت له الحقيقة قال: ومن يضمن؟ وإذا نفيت الشائعة قال: ربما يكون النفي هو الكذب وإذا قدمت دليلا قال: كل شيء يمكن صنعه وهكذا لا تنتصر الحقيقة ولا يهزم الكذب فقط يضيع اليقين ولذلك فإن معركة الحقيقة ليست معركة إعلامية فقط وإنما معركة ثقة.. الثقة في الصحافة.. الثقة في المؤسسات.. الثقة في المصادر.. والأهم الثقة في قدرة الإنسان على التمييز وهنا يجب ألا نقع في خطأ آخر: الاعتقاد بأن كل ما ينتشر يستحق أن يُناقش.
ليس كل تريند قضية وليس كل جدل يستحق وقتنا وليس كل استفزاز يحتاج إلى رد بعض الأشياء تموت إذا لم نمنحها اهتماما وبعض الأخبار تكبر فقط لأننا نساعدها على ذلك.
وقد يكون من أكثر أشكال الوعي في هذا العصر أن نعرف متى نتوقف عن المشاركة أن نقول: لا أعرف أن نقول: لم أتأكد أن ننتظر قليلا هذه الكلمات الثلاث قد تبدو بسيطة لكنها تحتاج إلى شجاعة في زمن يريد من الجميع رأيا سريعا لقد اعتدنا أن نسأل: من نشر الخبر أولا؟ وربما حان الوقت لأن نسأل سؤالا آخر: من تحقق منه أولا؟ فالأولوية ليست دائما لمن يصل إلى الناس قبل غيره وإنما لمن يصل إليهم بما يمكن الدفاع عنه الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون قوية لكنها تحتاج إلى وقت وإلى عقل لا يستعجل الحكم وإلى صحافة تعرف أن مسؤوليتها لا تنتهي عند لحظة النشر.
وقد تصل الحقيقة اليوم بعد أن تكون الكذبة قد سبقتها إلى كل مكان لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن البحث عنها بل يعني أن نكون أكثر صبرا في انتظارها ففي زمن يستطيع فيه الخبر أن يقطع آلاف الكيلومترات في لحظات أصبح التريث شكلا من أشكال المسؤولية والسؤال الذي ينبغي أن يسبق إصبعنا إلى زر المشاركة ليس: هل الخبر مثير؟
ولا حتى: هل يتفق مع ما أعتقده؟ بل سؤال واحد أكثر بساطة وأهمية:هل أعرف أنه صحيح؟لأن الحقيقة قد تتأخر في الوصول لكن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نغلق الباب في وجهها قبل أن تصل.
موضوعات ذات صلة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: صناعة النفوذ.. الوجه الآخر للسياسة
شحاتة زكريا يكتب لـ «30 يوم»: الزمن الذي لا يشبه ما قبله



