د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الدولة المصرية فى موازين القوي
أثبتت مجريات وتطورات الحرب الإيرانية على نحو لا تخطؤه العين ، أن السياسة ليست ضجيجاً أو نحِيباً أو عويلاً أو البحث عن اللقطة ، بل هى القدرة على فرض واقع جديد على الأرض يدفع بالقوي العظميإلى إدراك أن مفاتيح الحل والربط موجودةً فى العاصمة المصرية وحدها ، وأن مسألة إغفال أو تجاوز هذا الدور ، ما هي إلا مقامرة غير محسوبة العواقب ..
وليتضح للجميع أن هذا الواقع الجديد ، الذىفرضته القاهرة بوصفها مركز ثِقل إستراتيجى ، لا يمكن تجاوزه فى أى معادلة تخص أمن إقليم الشرق الأوسط وإستقرار الممرات المائية الحيوية ، لأنه يعكس ثقل الدولة المصرية فى موازين القوي العالمية ..
وما كان هذا الواقع الجديد ليتجسد على هذا النحو ، إلا لأن الدولة المصرية تتبع سياسة النفس الطويل والهدوء المتحسب الذى يسبق الفعل والعمل، وقدرتها على تحريك خيوط الأزمات المعقدة بين أطراف متناقضة ، لِما تتمتع بهمن إحترافية إستخباراتية ودبلوماسية تتميز بها القاهرة عن غيرها .. والتاريخ يحكي ..
ولهذا لم يكن الإعتراف الدولي بأن مصر هى المانع لإنفجار المنطقة ، مجرد إشادة لفظية تصدر من هنا أو هناك !!بقدر ما كان إدراكاً بأن ضعف الدور المصريلا يعنى سوي دخول العالم فى نفق مظلم من الفوضي التى ستؤثر على الإقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز وقناة السويس ..
فمصر ليست مجرد دولة بل هى العمق البشري والإستراتيجي وهى الخبرة التاريخية وأن أى تفكير فى مشروع عربى يتجاوزها أو يقلل من شأنها وأهمية دورها يفتقر إلى أسباب النجاح وسيفشل لا محالة ..
كما أن مَنْ يحاول تصوير مصر أنها خارج معادلة “الفعل العربي”هو فى الواقع يتجاهل حقيقة أن القاهرة هى الركيزة التاريخية والمحورية لمنظومة الأمن القومى العربى ..
وما يحدث الآن ما هو إلا ترجمة فعلية لإستعادة الدور الريادي الذى يجمع بين القوة العسكرية الرادعة وبين الحكمة فى إدارة وهندسة الأزمات ، مما يجعل الخريطة فعلياً ترسم فى القاهرة بمداد من الثقة والقدرة على حماية المصالح القومية ..
لتظل مصر دائماً ، الرقم الصعب فى المعادلة الدولية ، ومن يقرأ التاريخ جيداً يدرك أن قوة المنطقة من قوة “الفعل المصري”، وأن التخطيط فى القاهرة والتنفيذ العالمي يثبت أن القاهرة هى العقل المدبر الذى “فرمل” جنون الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية وحمى المنطقة من إنفجار كاد يَطال الجميع فى أنحائها ..
ورغم كَوْن إسلام أباد هى الوسيط الموثوق به ، فإن قرار الحسم النهائي لا يخرج إلا من أروقة مكتب صانع القرار المصرى فى القاهرة التى كانت المهندس الأول لتوازن القوى الجديد فى المنطقة ، ليبقى مضيق هرمز منطقة خط أحمر للعالم شرقه وغربه ..
وليتأكد للجميع أن السياسة هى تحريك قطع الشطرنج بصمت لإجبار الجالسين على مائدةالمنافسة على السير وِفق الخطة الموضوعة دون حاجة لإثبات الهيبة و”فرض العضلات” إعلامياً ، فأجهزة مخابرات الدول العظمي تقر بأن القاهرة هى صمام الأمان الوحيد فى الكوكب حالياً ، وأنهم أمام عصر القوة الناعمة والذكاء الدبلوماسي الذى يسترد الحقوق دون رصاصة واحدة ، ولتكتب مصر التاريخ اليوم ، بينما يكتفى الباقون بدور “الكومبارس” فى معركة الوعي التى تقودها القاهرة ..
فالثقافة المصرية تجيد “فن إستعادة الحقوق” ، لأنها نتاجُ ليقظة القيادة المصرية على مدى السنوات الأخيرة وتمرسها على قلب الموازين الإقليمية والدولية ذات الصِلة ، وإرباك حسابات الأعداء والمتنمرين على نحوٍ أفسد خططهم واحدةٍ تلو الأخرى لإستهداف مصر والعبث بمحيطها العربى ..
تلك اليقظةلم تكن وليدة اللحظة أو اليوم أو العام ،بل تدُشنت فىعام 2013 ، عندما نفضت مصر يدها من عباءة القطب الواحد وتأثيراته عليها وتدخله فى شأنها ، وتنفتح على العالم شرقه وغربه الذى إكتشف فيها قدراً كبيراً من الحكمة والذكاء دون ضجيج ..
وتبقي كلمة أخيرة ، إلى السادة المخدوعين بيننا وفى محيطنا العربينتيجة نقص الوعي والإفتقار إلي المعرفة وضغوطٍ آثار الضربات الحربية المتناثرة ، ودعاية المتربصين من الأعداء من دُعاة الفتنة والوقيعة ،بتصديرهم للإحباط وفقدان الشغف بالإنتماء القومي والوطني ومحاولة تسفيه الإحساس بالوطنية والكُفر بالعروبية أن يستفيقوا ويتحلون بالثقة فى يقظة القيادة السياسية المصرية الرشيدة إعلاءً لمصلحة الجميع..
الأمر الذى يستلزم منا جميعاً نحن معشر العرب ، تبنى موقف سياسي صلب يتضمن تجميد التطبيع ووقف كل أشكال التعاون مع الإحتلال حتى يلتزم بالقانون الدولى ، يرافقه موقف عربى موحد يرفض تحويل الأجواء والحدود العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات وتفعيل فكرة الجيش العربي الموحد ، والبدء بتنسيق إستخباراتي عربي يحمى سيادة أجواء بلداننا ، وتفعيل أوراق الضغط الإقتصادى العربي الهائلة وتنسيق إستخدامها بوصفها قوة ردع عربية لا يستهان بها ..
ولا يتعين – فى ذات الوقت – أن نغفل أو نتجاهل معركة الإعلام العربي والتواصل الأخلاقي من خلال توحيد الخطاب الإعلامي العربي لكشف جرائم الإحتلال ومواجهة الروايات التى تريد جر المنطقة لحرب لا تخدم سوى أعدائها ، وتغليب العقل بنبذ التنابذ والملاسنة بيننا بما لا يخدم سوى مخططات الأعداء فى الوقيعة بيننا..
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: رشادة القيادة تُجنب بُكاء الشعوب على السيادة !!



