توبكُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: فتاة الإسكندرية.. حين يتحول الألم الصامت إلى سقوط أخير

حكاية امرأة في مدينة لا تتوقف عن الضجيج

في مدينةٍ مثل الإسكندرية، لا تتوقف الحياة عن الحركة: شوارع مزدحمة، أصوات لا تهدأ، وإيقاع يومي يبدو وكأنه لا يترك مساحة للصمت. لكن خلف هذا الضجيج، قد تختبئ قصص لا يراها أحد، وألم لا يجد طريقه إلى الكلام ……قد تختبئ في شرفةٍ صامتة قصةٌ لا يسمعها أحد.

امرأة، وأم، لم تكن – في كثير من الأحيان – تبحث عن النهاية بقدر ما كانت تبحث عن مخرج من ضيقٍ نفسي ومعيشي يزداد ثقلًا مع الوقت. لحظة واحدة من الانهيار قد تتحول فيها الحياة من احتمالٍ قابل للاستمرار إلى جدار مغلق لا يرى الإنسان خلفه أي نافذة. وحين يضيق العالم كله، حين تتحول الجدران إلى سجن، والكلمات إلى طعنات، والخوف إلى يقين… قد تدفع إنسانًا إلى حافة لا عودة منها.

مش كل الناس بتموت مره واحدة, في ناس بتموت كل يوم شوية, لحد ما بتيجي لحظة السقوط, وتبقى مجرد سقوط!

لكن الحقيقة التي ينبغي تأكيدها بوضوح: الانتحار ليس حلًا، بل هو ذروة ألم نفسي حاد يحتاج إلى احتواء ودعم وإنقاذ.

قراءة فلسفية ونفسية واجتماعية للألم والوجع

من منظور فلسفي، يرى آرثر شوبنهاور أن الحياة في جوهرها ليست سعادة بل معاناة متكررة  والم  بلا حدود, فالألم ليس حادثًا استثنائيًا في الحياة، بل هو بنيتها العميقة وبالتالي فإن الألم ليس استثناءً في الحياة، بل جزء من بنيتها العميقة، حيث تتكرر المعاناة مع استمرار الرغبة والافتقاد. حين ينهار التوازن في حياة الإنسان، فيشعر أنه بلا سند، بلا معنى، بلا مخرج, ويفقد أحساسة بالدعم .وفي هذه الحالة قد يختار الشخص الموت بدلاً من الاستمرار في تحمل الظروف القمعية. ومع ذلك، لا يُقدّم هذا التصور بوصفه دعوة للاستسلام، بل كفهم لطبيعة التجربة الإنسانية المعقدة.

لقد وصف إميل دوركايم في كتابه “الانتحار: دراسة في علم الاجتماع.” ترانس. سبولدينج، جون أ. نيويورك: الصحافة الحرة، 1979 (1897).

هذه الحالة حين تحدث عن “الانتحار الأنومي”—حين ينهار التوازن في حياة الإنسان، فيشعر أنه بلا سند، بلا معنى، بلا مخرج, ويفقد أحساسة بالدعم .وفي هذه الحالة قد يختار الشخص الموت بدلاً من الاستمرار في تحمل الظروف القمعية.

اقرأ أيضا : وزارة الصحة: سلامة المواطنين النفسية ركيزة أساسية في أولويات الدولة المصرية

وركز الطبيب النفسي الوجودى النمساوي فيكتور فرانكل في البحث عن المعنى بوصفه عنصرًا حاسمًا في قدرة الإنسان على الاستمرار، حتى في أقسى الظروف، مؤكدًا أن فقدان الإحساس بالمعنى قد يجعل الألم يبدو أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، بينما يمكن لاستعادته أن يفتح نافذة للبقاء؛ وذلك بعدما عاش في معسكرات الاعتقال النازي  بين عامي 1942-1945 .ومع ذلك أكد أن الحياة لها هدف وتستحق أن تعاش.

البلسم الإنساني في الرؤية الإسلامية

في الرؤية الإسلامية، لا يُنظر إلى الألم النفسي بوصفه طريقًا مغلقًا بلا مخرج، بل كابتلاء يحمل داخله إمكان النجاة والفرج لا الهلاك. فالإسلام حين يواجه لحظات الانكسار الإنساني لا يضيف عبئًا على الإنسان، بل يفتح أمامه أفقًا آخر للمعنى والرحمة والصبر, وبالتالي لا يُترك الإنسان وحده في هذه اللحظة. قال الله تعالى:

“ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا” النساء, اية 29

وهي آية لا تكتفي بالنهي، بل تعيد تعريف علاقة الإنسان بذاته: فهو ليس مالكًا مطلقًا لحياته، بل مُكرَّم ومسؤول ومُحاط برحمة إلهية لا تنقطع.وهذه هي الرسالة من الله: أنت لست وحدك في مواجهة الألم ، هناك رحمة حتى في أشد لحظاتك ظلامًا.ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا, فإن مع العسر يسر, ورحمة الله واسعة ,  وباب الله مفتوح دائما , وبشر الصابرين.

كما يرسّخ الخطاب النبوي فكرة أن الألم ليس عبثًا، بل قد يكون بابًا للتكفير والرفعة، وأن ما يمر به الإنسان من همّ أو حزن ليس نهاية الطريق، بل مرحلة لا نهاية , أو جزء من مسار قد يحمل في داخله رحمة خفية لا تُدرك إلا بعد تجاوز المحنة.

ومن ثمّ، فإن “البلسم” في المنظور الإسلامي لا يتمثل في إنكار الألم، بل في احتوائه بالصبر، وطلب العون، وعدم الانعزال، واليقين بأن الضيق مهما اشتد فإنه لا يدوم

الإسلام لا يكتفي بالمنع، بل يرسّخ مبدأ طلب المساعدة، والتكافل، وعدم ترك الإنسان وحده في لحظات ضعفه. الإسلام لا يطلب منك أن تكون قويًا دائمًا، بل أن تصمد… أن تطلب العون… أن تؤمن أن هذه اللحظة ستمر.

ما يحتاجه الإنسان في لحظة الانكسار

ما تكشفه هذه الحالة، وما يشبهها من مآسٍ صامتة، هو أن الإنسان حين ينهار لا يحتاج فقط إلى تفسيرات نظرية، بل إلى وجود إنساني قريب: كلمة صادقة، يد تمتد، مساحة آمنة للكلام، وشعور بأنه ليس وحده. دعم، احتواء، أو تدخل يخفف العزلة التي تضاعف الألم.

إن أخطر ما في الألم النفسي ليس شدته فقط، بل وحدته. فكلما ازداد العزل الاجتماعي، تقلصت البدائل في وعي الإنسان، حتى يبدو له أن لا طريق سوى النهاية، بينما الحقيقة أن وجود شبكة دعم يمكن أن يغيّر المسار بالكامل.

لهذا، فإن مواجهة هذه الظواهر لا تكون باللوم أو الصمت، بل بالإنصات والاحتواء وفتح مساحات آمنة للكلام وطلب المساعدة دون خوف أو وصمة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية: ما يبدو لحظة انسداد كامل قد يكون أزمة قابلة للعلاج إذا وُجد من يلاحظ مبكرًا، ويقترب في الوقت المناسب. ولا يمرّ مرور العابرين.

هذه ليست قصة فردية فقط، بل تذكير بأن خلف كل صمت قد تكون هناك معركة خفية، وأن كلمة واحدة قد تنقذ حياة، وأن السؤال البسيط: “هل أنت بخير؟” قد يكون الفاصل بين الانهيار والنجاة.

ومن ثم، قبل أن نحكم، قبل أن نلوم، علينا أن نسأل:

كم شخصًا حولنا يعيش على الحافة دون أن نلاحظ؟, الكلمة التي نستهين بها قد تُنقذ حياة.

الاحتواء الحقيقي  قد يمنع كارثة كاملة.

والسؤال البسيط الذي يبدو عاديا : “إنت كويس؟”… قد يكون الفارق بين الحياة والموت,الانهيار والنجاة.

هذه ليست قصة امرأة واحدة…هذا جرس إنذار لنا جميعًا.

لو كنت تتشعر أنك تقترب من الحافة:  تكلم… اطلب المساعدة… لا تبقَ وحدك.

ولو رأيت شخصًا يتألم:  اقترب… لأن النجاة أحيانًا تبدأ بإنسان آخر, يلتفت في الوقت المناسب

الحياة، رغم قسوتها، تستحق أن نتمسك بها… ولو من خيطٍ رفيع.

 اقرأ أيضا

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب: القانون الدولي… ضيف الشرف في جنازة القوة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى