كتب- نادر السويفي، وكالات
في أكتوبر 2023م، وقبل معركة «طوفان الأقصى»، كشف رئيس أركان الجيش «الإسرائيلي» المنتهية ولايته آنذاك أفيف كوخافي، لموقع «يديعوت أحرونوت» العبري، عن التحول الجذري الذي أحدثته تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة العسكرية.
وقال كوخافي: إن الجيش كان قبل سنوات قليلة فقط قادراً على تحديد نحو 50 هدفاً سنوياً في قطاع غزة، لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى منظومة العمل، بات الجيش قادراً على توليد 100 هدف في اليوم الواحد، ينفذ نصفها بنجاح؛ إنها آلة تتعامل مع كميات هائلة من البيانات بكفاءة تفوق أي إنسان.
كانت فترة كوخافي (2019 – 2022م) نقطة البداية الفعلية لإدماج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية «الإسرائيلية».
وبرز هذا التحول خلال معركة «سيف القدس»، في مايو 2021م، عندما كشفت «جيروزاليم بوست» العبرية أن كوخافي أمر في العام الأول من ولايته بإنشاء وحدة متخصصة لتجميع بنك أهداف جاهزة للقصف، يقودها جنود من الخدمة النظامية والاحتياط تحت مظلة وحدة الاستخبارات «8200»، بزعامة العميد يوسي سارئيل، المعروف بهوسه بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي.
اعتمدت «إسرائيل» منذ تأسيسها على بناء سردية القوة التكنولوجية أو دولة «الهايتك»، مستندة إلى منظومة أكاديمية وصناعية متطورة تشمل معهد التخنيون، ومعهد وايزمان، وجامعة تل أبيب، والجامعة العبرية، وبار إيلان، هذا التفوق انعكس بشكل مباشر على بنية الجيش، الذي أسس وحدات متخصصة تعد اليوم من الأكثر تطوراً على مستوى العالم، يقف على رأسها:
* وحدة «8200»: تُعد هذه الوحدة النسخة «الإسرائيلية» من وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، وتمثل العمود الفقري التكنولوجي لجهود الاستخبارات العسكرية في أوقات الحرب.
ومهامها، متعددة، منها جمع المعلومات، والتحليل الاستخباري والحرب الإلكترونية، واعتراض الاتصالات وقرصنة بياناتها، وفك الشيفرات، واختراق الشبكات، وتعطيل أنظمة التشغيل المدنية والعسكرية للجهات المعادية، وجمع معلومات استخبارية تقنية واسعة النطاق، بالإضافة إلى تطوير قدرات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لتسريع تحليل البيانات من كميات هائلة من الاتصالات والبيانات التي تحصل عليها، كما حدث خلال حرب الإبادة على قطاع غزة.
* الوحدة «9900»: وهي من الوحدات المتخصصة في الاستخبارات الجغرافية والمرئية (GEOINT)، وتعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور والخرائط والمعلومات المكانية.
* الوحدة «81»: هي وحدة تقنية سرية جداً تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، مسؤولة عن تطوير أدوات تكنولوجية متقدمة للعمل الميداني السري.
وتولي دولة الاحتلال اهتماماً بهذه المجالات، حيث يعد العاملون في هذه المجالات من أصحاب الأجور الأعلى في الدولة التي يصل متوسط أجورها لما يزيد على 35 ألف شيكل (11 ألف دولار)، وهذا المتوسط من الرواتب مكافئ لرواتب النواب في الكنيست، ونحو نصف راتب رئيس الحكومة، وأعلى بـ4 أضعاف من أجور المعلمين، و3 أضعاف الأطباء.
الذكاء الاصطناعي ودوره في «طوفان الأقصى»
مع انطلاق عملية «طوفان الأقصى»، في 7 أكتوبر 2023م، دخلت دولة الاحتلال حرباً متعددة الجبهات في غزة ولبنان وإيران واليمن، مستندة إلى قدرات ذكاء اصطناعي مكثفة، وقد مكنت هذه الأنظمة الجيش من تنفيذ واحدة من أكثر حملات الاغتيال دقة واتساعاً في تاريخ الصراع.
ففي قطاع غزة، اغتالت «إسرائيل» أغلب أعضاء المجلس العسكري لـ«كتائب الشهيد عز الدين القسام»، أبرزهم محمد الضيف، ويحيى، ومحمد السنوار، ومروان عيسى، وغازي أبو طماعة، وأحمد الغندور.
وفي الجبهة اللبنانية، اغتالت «إسرائيل» كلاً من الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، وهاشم صفي الدين، وعلي الكركي، وفؤاد شكر، وإبراهيم عقيل، و قائد أركان الحزب هيثم الطبطبائي في قصف مركز استهدف شقته في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت.
والنمط المشترك بين هذه الاغتيالات أنها اعتمدت بصورة أساسية على منظومات ذكية تتبع وتراقب وتحدد موقع الهدف لحظة بلحظة، ثم تصدر أمر التصفية بشكل شبه آلي.
أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها إسرائيل
كشف تحقيق مشترك لصحيفة «الجارديان» البريطانية مع مجلة «+972 الإسرائيلية» وموقع «Local Call» الناطق بالعبرية، عن أبرز أنظمة الذكاء الاصطناعي التي استخدمها جيش الاحتلال في حروبه في المنطقة، منها:
1- نظام «أربيل» (Arbel): وهو نظام طورته وزارة الحرب «الإسرائيلية» مع شركة دفاع هندية، يقوم على تحويل المدافع الرشاشة والبنادق الهجومية إلى آلات قتل محوسبة، حيث يعمل على تعزيز القدرة على ضرب الأهداف بدقة وكفاءة أكبر باستخدام الخوارزميات.
2- نظام «لافندر» (Lavender): اعتمد نظام «لافندر» على معايير واسعة من أجل تحديد الأهداف المحتملة، واختار نحو 37 ألف شخص كأهداف يمكن تصفيتها من خلال القصف الجوي المباشر.
وآلية عمله تقوم على تصنيف الفلسطينيين حسب فرضة ارتباطهم بتنظيمات مثل «كتائب القسام» و«سرايا القدس»، حيث يعطي كل فرد درجة ما بين 1-100 على أساس خصائص مثل الانتماء لمجموعات «واتساب» مع أفراد معروفين وتغيير الهاتف والعنوان وغيرها، وتصل درجة الدقة فيه إلى نحو 90%.
3- نظام «غوسبل» (The Gospel): يستخدم هذا النظام لقصف المباني والمنشآت التي يزعم أنها تستخدم كمقرات عسكرية، من خلال الاستخراج السريع والآلي للمعلومات الاستخبارية، حيث يصدر النظام نتائج تأتي على هيئة احتمالات بوجود مقار سرية للمنظمات المنوي استهدافها.
4- نظام «أين أبي؟» (Where’s Daddy): هو نظام طورته شعبة الاستخبارات العسكرية للجيش لتتبع أهداف وتحركات المقاومين، حيث يقوم بتحليل تحركاتهم ورصدها، وإصدار أمر باستهدافه فور وصوله للمنزل دون النظر للخسائر الأخرى في صفوف ذويه أو المدنيين المحيطين به.
5- نظام «هبسورا»: هو من أحدث التقنيات التي طورته الوحدة «8200» التابعة لجيش الاحتلال، وتتمثل وظيفته في معالجة كميات هائلة من البيانات وترجمتها إلى أهداف ليتم التعامل معها عبر الوحدات الميدانية، ويستند عمل النظام إلى تحليل صور الأقمار الصناعية، وتحديداً الأماكن التي يمكن أن تضم أنفاقاً أو مقار قيادة عمليات، أو منصات صاروخية.
و لم تكن تعمل هذه الأنظمة بمعزل عن بيئة ضخمة من الوسائط التكنولوجية التي راكمتها دولة الاحتلال خلال السنوات الماضية، وأبرزها: الأقمار الصناعية العسكرية التي تستخدم للمراقبة المستمرة، والتجسس والرصد، واعتراض الاتصالات، وتحديد المواقع الجغرافية بدقة عالية،بالإضافة لتطوير أجيال كبيرة ومتعددة من الطائرات المسيرة ذات المهام المختلفة، ويقف على رأسها طائرات «هيرمز 450»، و«هيرمز 900»، التي تمتلك قدرات استخبارية من الأكثر تطوراً على مستوى العالم، حيث يمكنها التقاط صور بدقة عالية من على ارتفاع 30 ألف قدم، كما يمكنها التحليق في السماء لمدة تزيد على 40 ساعة متواصلة.
بالإضافة لطائرات أخرى من طراز «هيرون»، و«هيرون تي بي»، «سكايلارك»، «إيتان»، «هاروب»، «سبايكس»، بالإضافة لأجيال من الطائرات من صناعات ألمانية وبريطانية وأمريكية.
ونجحت إسرائيل خلال العقد الأخير في تطوير منظومة قتالية هجينة تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة، والبيانات الضخمة، والاستخبارات الجغرافية، وهو ما منحها قدرة غير مسبوقة على تحديد واختيار وتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة في غزة ولبنان وإيران وغيرهم.
موضوعات متعلقة
الذكاء الاصطناعي يقفر بالجيش الإسرائيلي قفزات متقدمة .. ويكشف عن نوعية الحروب مستقبلا




