كُتّاب وآراء

الجزائري محمد عدنان بن مير يكتب لـ «30 يوم»: من سلطة النصوص إلى برهان الدروس قراءة نقدية في مشروع محمد أركون

يحتلّ مشروع محمد أركون موقعاً متميّزاً في الفكر العربي‑الإسلامي المعاصر، لما انطوى عليه من محاولة جادّة لإعادة فتح ملف التراث بمنهجية علمية تستثمر منجزات اللسانيات، والأنثروبولوجيا، وتحليل الخطاب. فقد انطلق أركون من قناعة أساسية مفادها أنّ التراث لا يُختزل في كونه نصوصاً مقدّسة مكتفية بذاتها، بل هو بناء تاريخي متحوّل، تشكّل ضمن شبكات معقّدة من السلطة والمعنى، وداخل آليات دقيقة من الإقصاء والتقنين. ومن هذا المنطلق دعا إلى إخضاع التراث لنقد جذري يحرّره من هيمنة القراءات اللاهوتية التقليدية، ومن الاختزالات الاستشراقية، وذلك عبر مشروعه المعروف بـ«نقد العقل الإسلامي».

غير أنّ هذا المشروع، على ما يحمله من عمق نظري وثراء مفاهيمي، يثير جملة من التساؤلات النقدية المتعلّقة بأدواته المنهجية وحدود فاعليته في تجديد التفكير العربي. فإلى أي مدى نجح أركون في تحويل مناهج العلوم الإنسانية الغربية إلى أدوات فعّالة في دراسة التراث الإسلامي؟ وهل استطاع مشروعه تجاوز مستوى التنظير إلى بناء نموذج تطبيقي قابل للاجتهاد الأكاديمي الواسع؟ ثم، هل يفضي نقد العقل الإسلامي إلى تجديد العلاقة بالتراث، أم إلى قطيعة معرفية معه؟ تشكّل هذه الإشكاليات منطلق هذا المقال ومحوره التحليلي.

أولاً، لا يمكن إنكار الإسهام النوعي الذي قدّمه أركون في توظيف مناهج فكرية حديثة، خاصة أعمال فوكو وليفي‑ستروس وباشلار، في مقاربة التراث الإسلامي. فقد مكّنته مفاهيم مثل «اللامفكّر فيه» و«المستحيل التفكير فيه» من تفكيك الخطاب الديني التقليدي، وكشف حدوده المعرفية، وإبراز ما تمّ إقصاؤه من تاريخ الفكر الإسلامي لصالح قراءات أرثوذكسية مهيمنة. غير أنّ هذا التوظيف يطرح إشكالاً منهجياً، إذ إنّ الأطر الأركيولوجية تفترض وجود أرشيف تاريخي منسجم، في حين يقوم التراث الإسلامي على طبقات نصية متراكبة ومتداخلة، ما يجعل نقل النموذج الغربي نقلاً مباشراً أمراً إشكالياً، ويثير التساؤل حول مدى تكييف أركون لهذه الأدوات مع خصوصية المجال المدروس.

ثانياً، تبرز في مشروع أركون فجوة واضحة بين الطرح النظري والتطبيق العملي. فرغم دعوته إلى تأسيس «إسلاميات تطبيقية» تعيد كتابة تاريخ الفكر الإسلامي ضمن منظور نقدي شامل، فإنّ معظم أعماله ظلّت ذات طابع مفاهيمي عام، مع حضور محدود لدراسات تطبيقية دقيقة على نصوص محدّدة. وهذا ما يجعل مشروعه أقرب إلى نظرية نقدية عامة منه إلى منهج بحثي مؤسّس قابل للتحوّل إلى مدرسة فكرية مكتملة.

ثالثاً، يثير مشروع أركون سؤال العلاقة بالتراث بين القطيعة والبناء. فمع أنّه يعلن رفضه القطيعة، إلا أنّ حدّة تفكيك للبنى العقلية التقليدية تجعله أقرب إلى نزع الشرعية عن أنماط التفكير السائدة دون تقديم تصور واضح لإعادة البناء. ومع ذلك، تكمن القيمة الأساسية لمشروعه في فتح أفق عقل نقدي جديد يتعامل مع التراث بوصفه مجالاً دينامياً للصراع التأويلي، لا مخزوناً نهائياً للمعاني.

يتضح أنّ مشروع محمد أركون مثّل منعطفاً حاسماً في التفكير في التراث العربي‑الإسلامي، إذ أسهم في تفكيك البنى المغلقة للمعرفة الدينية، وفي تحرير التراث من ثنائية التقديس المطلق والرفض الكلّي. غير أنّ هذا الإسهام ظلّ محكوماً بحدود منهجية وتطبيقية، وإشكالية تكييف الأدوات المفاهيمية الغربية مع خصوصية النصوص الإسلامية. ومن ثمّ، فإنّ أهمية مشروع أركون لا تكمن في الأجوبة التي قدّمها، بقدر ما تتجلّى في الأسئلة التي طرحها. وهنا يظلّ السؤال مفتوحاً: هل يستطيع الفكر العربي المعاصر الانتقال من نقد العقل الإسلامي إلى بناء مشروع معرفي تركيبي، يوازن بين التفكيك والحفاظ على المعنى، أم سيظلّ النقد غاية في ذاته دون أفق تأسيسي واضح؟

موضوعات ذات صلة 

الجزائري محمد عدنان بن مير يكتب لـ «30 يوم»: بين رواسب التقليد نواميس التجديد.. مقاربات المعري نموذجا

الجزائري محمد عدنان بن مير يكتب لـ «30 يوم»: ما بعد الهيمنة.. مقاربات تكشف تحرر الكاتب وتجاوزه للأنساق الغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى