كُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الكتالوج وشروط الاستخدام

حين تشتري جهازًا جديدًا — سواء أكان هاتفًا أم ثلاجةً أم سيارةً أم حتى مكنسةً كهربائيةً متواضعة — تجد في علبته ورقةً مطويةً بعناية، أو كتيبًا صغيرًا مُرفقًا، مكتوبًا بخطٍّ دقيق يكاد يتحدى البصر وإنه الكتالوج، أو دليل الاستخدام، أو — بلغة العصر — “شروط وأحكام التشغيل”.

فيه تجد كل شيء: كيف تُشغِّل، وكيف تُطفئ، وما الذي يُفسد، وما الذي يُصلح، وأين الحدود التي لا ينبغي تجاوزها، وما الضمان الذي يسري إذا التزمتَ التعليمات، وما الضمان الذي يسقط إذا تجاهلتَها.

كثيرٌ منّا يرمي هذا الكتيب في أول يوم، ظانًّا أن الفطرة كافية وأن التجربة معلّمة ثم حين يتعطّل الجهاز، أو يُحرق، أو يُسلّم الروح قبل أوانه، يبدأ البحث المحموم عن تلك الورقة المهجورة في أعماق الدُّرج.

لكن دعني أسألك سؤالًا أعمق من هذا: أين كتالوج الإنسان؟

هذا الكائن البديع المُركَّب، الذي يحمل في صدره قلبًا لا يُشبه أي آلة، وفي رأسه عقلًا لا يُضاهيه أي معالج، وفي روحه بُعدًا لا تستطيع أي تقنية رصده أو قياسه — هل جاء إلى الوجود بلا تعليمات؟ هل خرج من العدم إلى الحياة دون أن يرفق به الصانع دليلَ تشغيله؟

الجواب — لمن تأمّل — أن الصانع لم يُهمل كتالوج الإنسان، بل أرسل به رسولًا وأنزل به كتابًا.

القرآن الكريم هو دليل الاستخدام. والسنة النبوية هي الشرح التفصيلي الذي يُفصِّل المجمل، ويُيسِّر المعقَّد، ويُنزِّل المبدأ على أرض الحياة اليومية. لم يُنزَّل القرآن ليُتلى فحسب في المآتم والمناسبات، كما لا يُقرأ الكتالوج لمجرد التبرك بوجوده في العلبة. أُنزِل ليُتَّبع، ليُشغَّل وفق تعليماته، ليُنظِّم العلاقة بين الإنسان وربّه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان والأرض التي يسير عليها والسماء التي يرفع إليها بصره.

الصلاة؟ إنها إعادة شحن دورية لا يعمل الإنسان بكفاءة بدونها. الصدق؟ إنه الموصِّل الأمين الذي تسري به ثقة الناس ولا تنقطع. العدل؟ إنه نظام التبريد الذي يمنع المجتمع من الاشتعال. والرحمة؟ إنها الزيت الذي يُخفِّف الاحتكاك بين الأرواح، ويُبقي الآلة البشرية الكبرى تدور دون صرير.

والعجيب في هذا الكتالوج الإلهي أنه لا يتقادم. الكتالوج الذي يأتي مع هاتفك يُصبح أثرًا بعد عين بعد أن تصدر نسخة جديدة من الجهاز. أما هذا الكتاب، فقد مضى عليه أربعة عشر قرنًا، وما زال يُجيب على أسئلة لم تُطرح بعد حين نزوله.

يُعالج الوحدة والقلق والجشع والظلم والخيانة والحب والموت والأمل — وكلها ملفات لا يزال الإنسان يفتحها كل يوم على شاشته الداخلية.

الذين اتّبعوا التعليمات — لا على نحو طقوسي جامد، بل فهمًا وتدبرًا وتطبيقًا — وجدوا أن الجهاز يعمل. تجد في وجوههم طمأنينة لا تصنعها الثروة، وفي نومهم راحةً لا يُهيِّئها الفراش الوثير، وفي مواجهتهم للمصيبة صلابةً تعجز عنها المعادن.

أما الذين رموا الكتالوج في أول يوم، ثقةً منهم بعقولهم وتجاربهم وآراء من حولهم — فكثيرٌ منهم يبحث الآن عن تلك الورقة المفقودة في أعماق دُرجٍ مقفل، يتساءل لماذا يتعطّل كل شيء، ولماذا تحترق الأسلاك، ولماذا لا يسير الجهاز كما ينبغي.
الحياة، يا صديقي، ليست فوضى بلا نظام. وهذا الكون المُحكَم الذي تراه من حولك — من دوران الكواكب إلى نبضة قلبك — يُخبرك أن وراءه صانعًا يعرف ما يصنع. وكل صانع يعرف ما يصنع يُلحق بصنعته التعليمات اللازمة.

الكتالوج موجود.. الضمان قائم.. الاختيار لك.

موضوعات ذات صلة 

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: سؤال يحتاج الى إجابة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى