توبكُتّاب وآراء

لواء أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: محطات في حياتي.. المحطة الثامنة والعشرون

عندما تتحول المأساة إلى رسالة

ليست كل الوقائع المؤلمة نهاية، بل قد تكون بداية لطريق مختلف، طريق يُعيد تعريف الأدوار، ويصوغ من الألم رسالة، ومن الصراع رؤية، ومن الفوضى مشروعاً للسلام. هكذا كانت أحداث عام 2014 بمحافظة أسوان، التي لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل محطة فارقة أعادت تشكيل وعيي، ورسّخت بداخلي إيماناً عميقاً بقيمة “إصلاح ذات البين” كركيزة لبقاء المجتمعات واستقرار الأوطان.

أسوان 2014 •• حين اهتزّ النسيج الاجتماعي

في ذلك العام اندلعت أزمة مؤسفة بين عائلتين كريمتين، أبناء النوبة من جهة، وأبناء قبيلة بني هلال من جهة أخرى داخل محافظة أسوان، وسرعان ما تحولت الخلافات إلى مواجهات دامية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وخلّفت وراءها حالة من الاحتقان المجتمعي والقلق الأمني. لم تكن الأزمة عادية، بل هددت الاستقرار العام، وأعادت إلى الأذهان خطورة النزاعات القبلية إذا تُركت دون احتواء. وهنا برزت الدولة المصرية بكل مؤسساتها، حيث تدخلت الأجهزة الأمنية بحرفية عالية، وكان لمحافظ أسوان آنذاك اللواء مصطفى يسري دور محوري في إدارة المشهد واحتواء تداعياته، كما لعبت وزارة الداخلية دوراً حاسماً في إعادة الانضباط، بينما برزت عناصر شؤون القبائل كحلقة وصل إنسانية واجتماعية، وكان لها دور فعّال في إدارة خيوط الأزمة على الأرض.

قيادات صنعت الفارق •• حين يقترن الحسم بالحكمة

ولا يكتمل الحديث عن احتواء تلك الأزمة دون الإشارة إلى أدوار قيادية ووطنية كان لها بالغ الأثر في إعادة الاستقرار، فقد برز دور اللواء محمد جعفر بما امتلكه من رؤية واعية وتوجيهات حاسمة أسهمت في إدارة الموقف بحكمة واتزان، حيث كان حريصاً على أن تسير الجهود في مسارها الصحيح نحو احتواء النزاع وحقن الدماء. كما لا يمكن إغفال الدور المهم الذي قام به اللواء حسن السوهاجي مدير أمن أسوان الأسبق – رحمه الله – والذي تحمّل مسؤولية كبيرة في توقيت بالغ الحساسية، وتعامل مع الأحداث بخبرة أمنية رفيعة وهدوء محسوب أسهم في ضبط المشهد ومنع انزلاقه إلى مسارات أكثر خطورة، فكان مثالاً لرجل الأمن الذي يدرك أن حماية الأرواح لا تقل أهمية عن فرض هيبة الدولة. وفي السياق ذاته يبرز اسم العميد محمد فهمي الذي كان مسؤولاً عن شؤون القبائل بأسوان آنذاك، حيث كان أحد العناصر المؤثرة في هذا المجال، ولعب دوراً محورياً في إدارة التواصل المجتمعي وتقريب وجهات النظر، مستفيداً من خبرته وعلاقاته الممتدة داخل النسيج القبلي. وتمتد كلمات التقدير إلى رجال الأجهزة المعنية كافة الذين عملوا بتنسيق كامل وروح وطنية خالصة، ليؤكدوا أن استقرار هذا الوطن هو نتاج تكامل الجهود، وأن خلف كل مشهد هدوء رجالاً أوفياء يعملون بإخلاص وتجرد.

الإعلام حين يصبح صانع سلام

في خضم هذه الأجواء المتوترة ظهر دور الإعلام الحقيقي، لا بوصفه ناقلاً للأحداث فقط، بل كفاعل رئيسي في صناعة الحل. وهنا لا يمكن أن نغفل الدور البارز للإعلامي القدير محسن داوود مقدم برنامج “حق عرب”، الذي تحرك فور وقوع الحدث إلى أسوان كدور من أدوار البرنامج المجتمعية، مصطحباً فريق عمله وعدداً من رموز القبائل والعائلات، من بينهم الشيخ علي فريج عضو مجلس الشيوخ الأسبق، والشيخ السيد الإدريسي شيخ الإدريسة الأشراف، وغيرهم من الحكماء والعقلاء. لم يكن المشهد سهلاً، فالتوتر بلغ ذروته، لكن الحضور الهادئ والخبرة العميقة والقدرة على إدارة الحوار كانت عوامل حاسمة في احتواء الأزمة. لقد أثبتت هذه الواقعة أن الإعلام حين يتحلى بالمسؤولية يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة فاعلة تسهم في حقن الدماء وترسيخ ثقافة التسامح.

بداية الرحلة •• من الملاحظة إلى المشاركة

من هذه اللحظة تحديداً تولّد داخلي تقدير خاص للإعلامي محسن داوود، ليس فقط كشخصية إعلامية، بل كإنسان يحمل رسالة. بدأت أتابع أسلوبه وأفهم فلسفته في التعامل مع النزاعات، حتى نشأت بيننا علاقة صداقة قائمة على الاحترام والتقدير المشترك. ومع تقاعدي من الخدمة وجدت نفسي منجذباً بقوة إلى هذا المجال الإنساني، مجال إصلاح ذات البين، فبدأت أشارك بشكل فعّال في التدخل لفض النزاعات برفقة هذا الرجل الذي كرّس حياته لهذه الرسالة. “لا للثأر” •• مبادرة من أجل الحياة

من رحم هذه التجربة أطلقنا مبادرة: “لا للثأر •• معًا للسلام والتسامح •• إيد في إيد نبني الوطن”

وقد لاقت هذه المبادرة قبولاً واسعاً بين رموز وعواقل العائلات، خاصة في صعيد مصر حيث تنتشر بعض مظاهر الثأر، ونجحت المبادرة في تحقيق نتائج إيجابية ملموسة، ليس فقط في إنهاء نزاعات، بل في تغيير ثقافة وبناء وعي جديد قائم على التسامح.

ليلة في البرد والمطر •• حين تختبر الإنسانية

من المواقف التي لا تُنسى تلك الواقعة في عام 2020، حين كنا في جلسة صلح بمركز الصف بمحافظة الجيزة، وتمكنا بحمد الله من إنهاء النزاع. وبينما كنا نستعد للمغادرة تلقينا اتصالاً بوقوع جريمة قتل في قرية “الفقيرة” بمركز ببا بمحافظة بني سويف. دون تردد قررنا التحرك فوراً رغم الأمطار الغزيرة وبرودة الطقس. وصلنا في الثانية صباحاً لنجد مشهداً إنسانياً قاسياً: نساء وأطفال من أسرة القاتل مطرودون، يختبئون في غرفة بلا سقف وسط الأراضي الزراعية وتحت الأمطار. لم يكن هناك وقت للتفكير بل للتحرك، فقمنا بتوفير مأوى لهم، وبدأنا في تهدئة الأوضاع حتى نجحنا في احتواء الأزمة خلال وقت قياسي، مع تكليف أحد عقلاء بني سويف بمتابعة الملف لحين تسليم الجاني.

فول وطعمية •• حين يصبح البسيط عظيماً

بعد رحلة شاقة دون طعام منذ صباح اليوم السابق لمحنا عربة فول وطعمية مع بزوغ الفجر. كان ذلك الإفطار المتواضع، فول وطعمية، واحداً من أجمل اللحظات، ليس لطعمه فقط، بل لأنه جاء بعد جهد خالص لوجه الله. لقد كان درساً في الرضا، وفي أن البركة لا تُقاس بالكثرة بل بالإخلاص.

زاد الطريق •• حين تتحول الأسرة إلى شريك في رسالة السلام

ومن الملامح الإنسانية العميقة التي لا تغيب عن هذه الرحلة دور أسرتي الصغيرة التي كانت حاضرة دائماً رغم غيابها الجسدي. فقبل كل تحرك كانت الأيادي الطيبة في المنزل تُعدّ زاد الطريق تجهيزاً لسندوتشات بسيطة لكنها مشبعة بالمحبة والنية الصادقة: بيض بالبسطرمة وجبن رومي وغيرها مما اعتدنا عليه. لم يكن هذا الطعام مجرد وجبة، بل كان رسالة دعم صامتة تحمل في طياتها دعاءً بالحفظ والتوفيق. ومع تكرار الرحلات أصبح هذا الإفطار تقليداً ثابتاً وبداية رمزية لكل مهمة، نستمد منه طاقة معنوية قبل أن تكون جسدية، حتى صار بيننا علامة تفاؤل نشعر معها أن الخير يسبق خطواتنا.

فريق من أجل الوطن •• عطاء بلا مقابل

ما يجب التأكيد عليه أن هذا العمل يتم دون أي مقابل مادي، بل هو جهد خالص لوجه الله، يشارك فيه إعلاميون وقضاة عرفيون ومستشارون قانونيون، جميعهم يعملون في صمت دون البحث عن شهرة أو مكاسب، بل إن بعضهم يفضّل عدم الكشف عن هويته إيماناً بأن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان.

القضاء العرفي •• بين شرف الرسالة وتحديات الضمير

ولا يمكن الحديث عن إصلاح ذات البين دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي يقوم به القضاة العرفيون، أولئك الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية ثقيلة في فض النزاعات ورد الحقوق.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح أن الغالبية العظمى منهم يتمتعون بسمعة طيبة ونزاهة مشهودة وخبرة تراكمية تجعلهم محل ثقة واحترام داخل مجتمعاتهم؛ فهم يعملون بحكمة، ويزنون الأمور بميزان العدل، ويضعون نصب أعينهم مصلحة المجتمع قبل أي اعتبار.

إلا أنه، وفي المقابل، لا يخلو المشهد من قلة محدودة تفتقر إلى الضمير المهني وتسعى أحياناً لتحقيق مصالح ضيقة على حساب العدالة، وهو ما يمثل تحدياً حقيقياً لهذا الدور النبيل. ومن هنا تبرز أهمية التمييز، ودعم النماذج المضيئة، وتعزيز المعايير الأخلاقية حتى يظل القضاء العرفي حصناً للحق لا مدخلاً للخلل.

برنامج “حق عرب” •• نموذج يُحتذى به

يُعد برنامج “حق عرب” نموذجاً فريداً للإعلام الهادف الذي لا يكتفي بعرض المشكلات بل يسعى إلى حلها. وبقيادة الإعلامي محسن داوود أصبح البرنامج منصة حقيقية لإصلاح ذات البين وتعزيز التماسك المجتمعي.

ومن واقع التجربة أؤكد أن هذا الفريق لا يقل في عطائه عن أي مبادرة دولية تسعى للسلام، بل يستحق أن يُسلّط عليه الضوء وأن يُدعم، بل وأن يُرشّح لنيل جوائز دولية مرموقة، وعلى رأسها جائزة نوبل للسلام، تقديراً لما يقدمه من جهد حقيقي في منع النزاعات واحتواء الأزمات.

دروس من داخل الميدا

١- إصلاح ذات البين ضرورة وطنية وليس مجرد عمل اجتماعي.

٢- الوقاية من النزاعات أهم من علاجها بعد تفاقمها.

٣- الإعلام الهادف قوة ناعمة مؤثرة في استقرار المجتمعات.

٤- التكامل بين الدولة والمجتمع المدني هو مفتاح النجاح.

٥- الخبرة الميدانية والحضور الإنساني عنصران حاسمان في إدارة الأزمات.

٦- القيم الإنسانية البسيطة كفيلة بإحداث تغيير عميق.

٧- العمل لوجه الله يمنح البركة والاستمرارية.

خارطة طريق لتعزيز التماسك المجتمعي

١- دعم برامج إصلاح ذات البين إعلامياً ومؤسسياً.

٢- إنشاء وحدات متخصصة داخل المحافظات للتعامل مع النزاعات المجتمعية.

٣- تدريب كوادر شبابية على مهارات الوساطة المجتمعية.

٤- إدماج ثقافة التسامح في المناهج التعليمية.

٥- تكريم النماذج المضيئة في العمل المجتمعي.

٦- توثيق التجارب الناجحة للاستفادة منها على نطاق أوسع.

حين يصبح السلام مشروع حياة

هذه المحطة ليست مجرد ذكرى، بل شهادة على أن الإنسان قادر على أن يكون أداة للبناء لا للهدم، وأن السلام ليس شعاراً بل جهد يومي وتضحية مستمرة. لقد تعلمت أن أعظم الانتصارات ليست في المعارك بل في منعها، وأن الكلمة الطيبة قد تنقذ حياة، وأن يداً ممدودة للصلح قد تبني وطناً.

وستظل هذه الرحلة مستمرة ما دام في القلب نبض يدعو للسلام، وفي العقل وعي يدرك أن الأوطان لا تُبنى إلا بالتسامح.

كاتب المقال : لواء د. أحمد زغلول مهران .. المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

اقرأ أيضا

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب لـ « 30 يوم»: معركة الوعي في زمن التحولات.. قراءة متوازنة في صراع المصالح وتحديات المنطقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى