خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: هدنة الضرورة واحتمالات المرحلة القادمة
ربما توقع كثيرون استجابة الرئيس دونالد ترامب لدعوات التهدئة ووقف الحرب ولو مؤقتًا، خاصة بعد تصريحاته الجريئة والصادمة التي تحدث فيها عن هدم حضارة كاملة، وهو وصف لا يتناسب مع طبيعة ما يحدث ولا مع حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب عليه. ولأن العالم اعتاد تحليل شخصية ترامب السياسية القائمة على المفاجأة ورفع سقف التصريحات، جاء قرار وقف التصعيد متوافقًا مع توقعات الأغلبية التي رأت أن تلك التصريحات كانت جزءًا من استراتيجية ضغط أكثر منها تمهيدًا لحرب طويلة.
ربما كشف إعلان الهدنة أن التصعيد الأمريكي كان في جوهره وسيلة ضغط لفرض شروط تفاوضية. فالتهديدات الكبيرة استخدمت لدفع إيران إلى طاولة التفاوض، وهو ما يعيد تعريف مسار الحرب باعتبارها أداة سياسية يجري تفعيلها أو إيقافها وفق الحسابات الاستراتيجية. في هذا السياق، تبدو الحرب أحيانًا جزءًا من لعبة التوازنات الدولية، حيث تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لانتزاع مكاسب سياسية.
ولم يكن إعلان التهدئة خاليًا من الارتباك داخل المعسكر نفسه. فقد كانت إسرائيل تميل إلى استمرار الضغط العسكري على إيران، بينما جاء القرار الأمريكي ليوقف هذا المسار فجأة، ما أبرز مرة أخرى أن القرار النهائي في مثل هذه الصراعات يظل في يد أمريكا . هذا التباين في المواقف يعكس طبيعة التحالفات التي تتداخل فيها المصالح، حيث قد تتباين الرؤى بين الشركاء رغم وحدة الهدف الظاهر.
أما إيران فقد دخلت هذه المرحلة وهي تحتفظ بعدد من أوراق القوة. فموافقتها على فتح مضيق هرمز مقابل هدنة مؤقتة تشير إلى قدرتها على استخدام موقعها الجغرافي وتأثيرها في أسواق الطاقة العالمية كأداة تفاوض فعالة. فالمضيق يعد أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط العالمية، وأي توتر فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي.
ومن هنا يمكن القول إن ما جرى يمثل على الأرجح توقفًا مؤقتًا مرتبطًا بشروط قابلة للتغيير. فمسار المفاوضات خلال المرحلة المقبلة سيحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية أوسع، أم أن هذه الهدنة ليست سوى استراحة قصيرة قبل عودة التصعيد من جديد.
في الوقت ذاته يشكك كثيرون في عهود ترامب، إذ يرى منتقدوه أنه كثيرًا ما يغير مواقفه بصورة مفاجئة، ما دفع بعض الأصوات إلى تحذير إيران من الإفراط في الثقة. وطرحت تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تستخدم الهدنة لإعادة ترتيب أوراقها وربما التفكير في سيناريوهات أخرى، من بينها احتمالات التصعيد أو حتى الغزو البري. كما تساءل البعض: هل ينطبق قرار وقف الحرب بالكامل على إسرائيل؟ الواقع يشير إلى أن إسرائيل جزء من هذا الاتفاق، إذ إن استمرار المواجهة منفردة سيضعها في مواجهة مباشرة مع إيران، وهو ما قد يعرضها لمزيد من القصف والدمار.
ويبدو أن إسرائيل لم ترض عن هذه الهدنة وأرادت أن تجهضها فاندفعت تغير على لبنان الشقيق بأكثر من مائة غارة جوية وارتكتبت مذابح يشيب من هولها الولدان في تحد سافر أمام العالم أجمع دون أن يحرك ساكنا.
وفي تقديري أن الحرب على إيران ربما تقف عند هذا الحد، على الأقل في هذه المرحلة، نتيجة الضغوط التي تعرضت لها الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي الداخل الأمريكي شهدت مدن عديدة مظاهرات رافضة للتصعيد العسكري، كما تصاعدت التحركات السياسية المعارضة لسياسات ترامب. أما داخل إسرائيل فقد سادت حالة من القلق الشعبي والمظاهرات، خاصة بعد تعرض منظومات الدفاع مثل القبة الحديدية لاختبارات صعبة، وهو ما أثر في الصورة الذهنية التي رُسمت سابقًا عن قدرتها المطلقة على الحماية.وربما تكون الهدنة ضمن خطة أمريكية خبيثة لتدمير ما تبقى من أسلحة إيران ويفاجأ العالم باحتلال طهران ويتكرر ما حدث في العراق .
ومن المرجح أن يؤدي هذا الوضع إلى إرجاء المخطط وفكرة إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، بعد أن ظهرت معوقات حالت دون تنفيذ بعض المخططات. وربما كان من أهم هذه المعوقات عدم انجرار دول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وعدم الوقوع في فخ التصعيد الشامل الذي كان يمكن أن يحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة.
كما لا يخفى على أحد الدور الذي لعبته مصر في محاولة تهدئة الأوضاع ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. فقد تبنت القاهرة موقفًا قائمًا على الدعوة إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، وهو موقف ساهم في تهدئة التوترات وفتح المجال أمام المساعي السياسية.
لقد كشفت هذه الأزمة عن عدد من الحقائق المهمة، ربما أبرزها ثقل الدور المصري في المنطقة، وأهمية السياسة المتوازنة القائمة على الحكمة والرزانة والدبلوماسية الهادئة. فالتعامل المتزن مع تطورات الأحداث ساهم في الحفاظ على قدر من الاستقرار، ومنح مصر مزيدًا من الثقة والحضور في معادلات المنطقة.
وفي النهاية، يبقى الأمل أن تسود لغة السلام على منطق الحروب، فالعالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الصراعات. إن الأرض تتسع للجميع، والتاريخ يثبت أن الحروب مهما طال أمدها تنتهي في النهاية إلى طاولة المفاوضات.
تحيا مصر… تحيا مصر… تحيا مصر.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: في صمت العالم أو صوته.. ملامح المرحلة المقبلة




