توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: سؤال يحتاج الى إجابة

من المشاهد اليومية التي أصبحت جزءًا ثابتًا من الحياة في مصر: شوارع مكتظة في الصباح الباكر، وسائل نقل تعج بالركاب، طوابير طويلة أمام المصالح الحكومية، وازدحام يبلغ ذروته في ساعات محددة، ثم… هدوء شبه تام لبقية اليوم. هذا النمط يطرح سؤالًا منطقيًا: لماذا تتركز ساعات العمل في توقيت واحد تقريبًا؟ وهل هذا هو الخيار الأفضل بالفعل؟
غالبية الوزارات والمصالح الحكومية تبدأ عملها في توقيت متقارب، وتنتهي أيضًا في وقت متقارب. النتيجة الطبيعية لهذا التماثل هي ضغط هائل على البنية التحتية: طرق مزدحمة، استهلاك مرتفع لوسائل النقل، وتكدس بشري داخل المؤسسات نفسها. الموظف مرهق قبل أن يبدأ يومه، والمواطن يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في الانتظار، لا في إنجاز مصلحته.
المفارقة أن هذه المؤسسات، بعد انتهاء ساعات الذروة، تصبح شبه خاوية. مبانٍ ضخمة، إمكانيات متاحة، لكن دون استغلال حقيقي. وكأن الدولة تعمل بنصف طاقتها فقط، بينما تختنق في النصف الآخر.
إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية تنظيمية، سنجد أن المشكلة ليست في عدد الموظفين ولا في حجم الطلب فقط، بل في “توحيد التوقيت”. حين يتحرك الجميع في نفس اللحظة، يحدث الاختناق. أما إذا تم توزيع ساعات العمل بشكل مدروس—بحيث تبدأ بعض الجهات مبكرًا، وأخرى لاحقًا، وبعضها يمتد لفترات مسائية—فإن الضغط سيتوزع تلقائيًا.
تخيل لو أن بعض الوزارات تبدأ عملها في السابعة صباحًا، وأخرى في التاسعة، وثالثة في الحادية عشرة. تخيل لو أن بعض الخدمات الحكومية تمتد حتى المساء. النتيجة لن تكون فقط تقليل الزحام، بل أيضًا تحسين جودة الخدمة، وإتاحة مرونة أكبر للمواطنين الذين لا يستطيعون إنهاء مصالحهم في ساعات محددة.
هذا التنويع لن يفيد أن المواطن فقط، بل الموظف أيضًا. سيقل الإرهاق الناتج عن التنقل في أوقات الذروة، وستتحسن الإنتاجية حين يعمل الفرد في بيئة أقل ضغطًا. كما أن توزيع الأحمال على مدار اليوم سيؤدي إلى استخدام أكثر كفاءة للموارد، بدلًا من تكدسها ثم تعطّلها.
قد يقول البعض إن تغيير هذا النظام معقد، نظرًا لتشابك المصالح بين الجهات المختلفة. وهذا صحيح إلى حد ما، لكن التعقيد لا يعني الاستحالة. بل إن كثيرًا من الدول واجهت نفس المشكلة، ونجحت في التعامل معها عبر أنظمة عمل مرنة ومتدرجة.
في النهاية، المسألة ليست مجرد مواعيد عمل، بل هي أسلوب إدارة يوم كامل لدولة بحجم مصر. إعادة التفكير في هذه المنظومة قد تكون خطوة بسيطة في ظاهرها، لكنها قادرة على إحداث فارق كبير في حياة ملايين الناس يوميًا.
السؤال لم يعد: لماذا ساعات العمل هكذا؟
بل: متى نقرر أن نجعلها…

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: جبروت السيارة المستعملة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى