د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: رشادة القيادة تُجنب بُكاء الشعوب على السيادة !!
أحدثت الحرب الإيرانية شروخاً فى جدار “التماسك” العربي ، ظهرت واضحة فى بعض ردود فعل الدوائر القريبة من صُناع القرار -المحسوبة عليهم أو المنسوبة لهم-لدرجة أوصلتهم عصبيتهم إلى التبجح بالإصطفاف إلى جانب العدو الإسرائيلي والكُفر بالقومية العروبية ..
فى الوقت الذى تناثرت فى الأفق صورُ مشوشة تحاول تصوير مصر خارج معادلة “الفعل العربي” ، واصفةًالقاهرة بحسابات ضيقة تتجاهل حقيقة أن مصر القوية الرشيدة المتماسكة هى الركيزة التاريخية والمحورية لمنظومة الأمن القومي العربي ..
لقد إختلطت الأمور فى أذهان الكثيرين داخل دول الإقليم لاسيما الخليجية منها ، على وقع الضربات الإيرانية المتناثرة لأهداف أمريكية داخل بلادهم حتى كشفوا عن مكنون دواخلهم بالتغني للمشروع الإسرائيلي التوسعى الشرق أوسطي الجديد حتى وإن شكل ذلك إنتحاراً لعروبتم ..
ليقع هؤلاء بذلك فى شِراك الأهداف الخبيثة التى تبناها المشعلون الإسرائيليون لهذه الحرب فى جر المنطقة إلى الحرب أو إحداث فتنة يتآكل معها هذا “التماسك” العربي الذى لم يعرف “تضامناً” منذ حرب أكتوبر المجيدة عام 73 مع نفس ذلك العدو الصهيوني التوسعي، حتى وصل الأمر إلى تهور أحد هذه الرموز الواقعة عند طرف الخليج ليعلن دون مواربة “أن أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة ” !! ..
ونسى هؤلاء الغاضبون أن ما آلت إليه هذه الأوضاع فى بلدانهم وما حل بهم ، ما هو إلا نتيجة لعدم الرشادةعلى المدى القصير والطويل وإيلاء الثقة للطامعٍينالمُتنمرينٍ الذين لم يأتواإلى هذه الحرب سوي لمصلحتهم وحماية دولة الكيان التى زرعوها بين ظهرانينالا للذود عنهم وحمايتهم وثمناًلتحويلأراضيهمإلى “حضانات” للوجود الأجنبي ..
فالرشادة القيادية السياسية للدول دائماً ما تُجنب شعوبها البكاء والعويل على إنتهاك سيادة الأرض وصيانة العِرض ، واللجوء إلى توظيف ما تمتلكه الدول من قدرات ذاتية قد تكون عظيمة فى كثير من الأحيان دون الكسل والإرتكان على الآخرين الذين يقدمونمصالحهم الذاتيةعلى مَنْ سواهم لا يشغلهم عن ذلك شاغل.. والتاريخ يحكي !! ..
تلك الرشادة المصرية يؤكدهاتاريخ السنوات الأخيرة وما قبلها من خلال قائمة طويلة من المطالب الأمريكية التى قوبلت بالرفض المصريتأكيداً لأدبيات العقيدة المصرية الراسخة فى صون وحماية سيادتها حتى فى أحلك الظروف الإقصادية التى مرت بها ، لتصبح مصر الوحيدة فى الإقليم التى خلت من قواعد عسكرية أجنبية على أرضها ، وبما جعلها موضع دليل من الآخرين الذين إستدلوا بها عند رفضهم لدعوةترامب لهم بالإشتراك فى الحرب مثل رئيس الوزراء الأسبانى بيدرواسانشيزالذى تغنى برفض مصر لقواعد أمريكية على غير الآخرين ..
فقد طلبت أمريكا من مصر قاعدة عسكريه لمحاربة داعش فى ليبيا وأخرى لمحاربة الحوثيين فى اليمن وكانت عينها على قاعدة محمد نجيب وبرنيس ورفضت مصر ، وطلبت أمريكا أن تشارك الجيش المصرى فى حرب داعش فى سيناء ورفضت مصر.
وعندما طلبت أمريكا إنهاء صفقة القرن أو حتى تعديلها ، كان الرفض المصري، وعندما قررت أمريكا أن القدس عاصمة لإسرائيل ، أخذ مشروع القرار المصري أغلبية الأصوات ضد القرار الأمريكيعندها لجأت واشنطن للفيتو .. وعندما طلبت أمريكا من مصر إمداد أوكرانيا بدبابات إبرامز ، رفضت مصر .. وعندما طلبت أمريكا من مصر توضيح مستوى العلاقات مع كوريا الشمالية ، صعتقهم قاهرة المعز بالرد أنه أمر سيادي لمصر ولا يحق لأحد التدخل فيه ، وفضحت مصر أمريكا وتجسسها على العالم ومنهم حلفاء لواشنطن ، ثم مَنْ ينسى فضح مصر للمنظمات الدولية وتبعيتها لأمريكا سياسياً لتكشف وتفضح جواسيس واشنطن العاملين تحت ستار الجمعيات الأهلية والحقوقية ومنهم 19 جاسوساً كانوا فى مصر وتم تسليمهم فى صفقة تبادلية لإرجاع عالم الصواريخ المصرى د. عبد القادر حلمى الذى كان محتجزاً بأمريكا تحت الإقامة الجبرية لمدة 35 عاماً بعد عملية الكربون الأسود التى أضرت بتجارة الطائرات الشبح الأمريكية ..
كما فضحت مصر صناعة أمريكا لداعش وأنها صانعة مؤامرة الخراب العربي، وإخترقت مصر جهاز الأمن القومى الأمريكى بحصولها على وثيقة بيع سيناء وتجنيد محمد مرسى وإعطائة درجة الدكتوراة مكافأة له عن كشفه ضابط المخابرات المصري حسام خير الله وتسبب فى القبض على العالم المصري عبد القادر حلمى عام 89 فى عملية الكربون الأسود ، بل أسقطت مصر إلى غير رجعة أهم وأخطر عميل لهم فى مصر وهو الإسلام السياسى المتمثل فى جماعة الإخوان الإرهابية والقائمة تطول وما خفى كان أعظم ..
وما كان هذا الجهد المصري العظيم للحفاظ على أمن وسيادة الوطن المصري ليحدث أبداً على هذا النحو ، إذا كان القرار المصرى وصانعه رهينة فى أيدى هؤلاء المتنمرين المتربصين فى أمريكا والغرب من خلال قواعد عسكرية أو تسهيلات تنقص بدورها من سيادة الأرض المصرية ، كغيرها فى دول الإقليم ..
فدائماً ما تؤتي الرشادة المصرية ثمارها حتى وإن تأخر إدراك الآخرين لمغزاها ، إلى أن يستوعب المتربصون والغاضبون-على السواء- الأهداف والمرامي المباشرة وغير المباشرة التي تكمن ورائها !! ..
ويتجلَى ذلك واضحاً فى كشف مصر للأسباب الحقيقية وراء إشعال الحرب (الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية)والتحذير من التوحل في مستنقعها، والوقوع ضحية لنوايا مُشعلوها فى جر المنطقة برمتها إلي حرب لا تستهدف أساساً سوى هيمنة إقتصادية وإبتزازات دولارية، وسيطرة توسعية صهيونية تشمل التحكم في المنافذ والممرات البحرية لخنق ثروات العرب شرقاً وغرباً ..
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا
د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: شروط معاصرة للسلام مع تل أبيب !!..



