كُتّاب وآراءمنوعات

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: جبروت السيارة المستعملة

ليست كل السيارات مجرد وسيلة انتقال، فبعضها يتحول مع الوقت إلى قصة طويلة من المعاناة، خاصة حين تكون “سيارة مستعملة” ورثها صاحبها عن زمن لم يعد موجودًا إلا في الذكريات. في الشوارع المزدحمة، وبين أبواق السيارات الحديثة ولمعانها، تتحرك تلك السيارات القديمة بخجل، وكأنها تعتذر عن بقائها في عالم لم يعد يرحب بها.
أصحاب السيارات القديمة يعيشون صراعًا يوميًا لا يراه الكثيرون. يبدأ هذا الصراع مع أول تدويرة للمفتاح في الصباح، حين يتردد المحرك بين الاستجابة أو الصمت، وكأن السيارة تقرر بنفسها إن كانت سترافق صاحبها اليوم أم تتركه يواجه مصيره وحده. لحظات الترقب تلك كفيلة بزرع القلق في القلب قبل بدء اليوم.
ثم تأتي رحلة البحث المستمرة عن قطع الغيار، تلك الرحلة التي تشبه التنقيب عن كنز مفقود. قطعة صغيرة قد تتحول إلى أزمة حقيقية، لأن وجودها لم يعد مضمونًا، وإن وُجدت، فغالبًا ما تكون مستعملة مثل السيارة نفسها، تحمل تاريخًا مجهولًا من الأعطال المؤجلة. وبين الأسواق والميكانيكيين، يقضي صاحب السيارة وقتًا أطول مما يقضيه خلف المقود.
ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، فكل صوت جديد يصدر من السيارة يتحول إلى لغز. طقطقة هنا، أو اهتزاز هناك، كأن السيارة تحاول أن تتحدث بلغة لا يفهمها إلا من اعتاد عليها. ومع كل زيارة للميكانيكي، يدخل صاحبها في دوامة من التوقعات: هل العطل بسيط أم بداية سلسلة جديدة من الإصلاحات التي لا تنتهي؟
ورغم كل ذلك، تظل هناك علاقة خاصة تجمع بين الإنسان وسيارته القديمة. علاقة تتجاوز المنطق، لأن هذه السيارة كانت شاهدة على لحظات مهمة: رحلة أولى، طريق طويل مع الأصدقاء، أو حتى أيام صعبة لم يكن هناك فيها سوى هذا المعدن الصامد كرفيق. لذلك، يصبح التخلي عنها قرارًا مؤلمًا، وكأنك تتخلى عن جزء من ذاكرتك.
في النهاية، ليست المشكلة في قدم السيارة فقط، بل في عالم يتسارع بلا رحمة، لا ينتظر من يتأخر. أصحاب السيارات القديمة لا يرفضون التطور، لكنهم عالقون بين القدرة والرغبة، بين ما يملكونه وما يطمحون إليه. وبين هذا وذاك، تستمر سياراتهم في السير… بصوت أعلى، وبخطى أبطأ، لكنها تحمل في كل رحلة قصة لا تُحكى.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: ساعة الحائط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى