توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: ساعة الحائط

على جدار الصالة، كانت ساعة الحائط تتدلى بثبات، عقاربها لا تتوقف، وصوتها الرتيب “تك… تك… تك” يملأ الفراغ، كنبضٍ لا يُرى لكنه لا يغيب.
لم يكن أحد في البيت يلتفت إليها، كانت مجرد شيء مألوف… قطعة ديكور قديمة اعتادوا وجودها كما اعتادوا وجود الأب.
كان الأب يستيقظ قبل الجميع، يضبط إيقاع البيت كما تضبط الساعة الزمن.
يوقظ أبناءه للمدرسة، يذكرهم بمواعيدهم، يتابع دروسهم، ويحرص أن تسير حياتهم بدقة لا تتعطل.
وتمامًا كساعة الحائط، كان صوته حاضرًا دائمًا، لكن لا أحد يصغي إليه إلا عند الحاجة.
الأم تمر بجانبه منشغلة، والأبناء يغادرون ويعودون دون أن يسألوه كيف حاله.
لكن إن تأخر أحدهم، أو اختل نظام يومهم، سمعوا صوته فجأة:
“الوقت مهم… لا تتركوه يضيع.”
كما يرفعون رؤوسهم نحو الساعة حين يضيع منهم الإحساس بالزمن.
مرت الأيام، والساعة على الجدار تواصل دقاتها…
والأب يواصل دوره، بلا شكوى، بلا انتظار لامتنان.
إلى أن جاء يوم…
توقفت الساعة.
ساد الصمت.
لم يعد هناك “تك… تك…”، وكأن شيئًا في البيت قد انكسر دون أن ينتبهوا.
تأخر الأبناء عن مواعيدهم، واختلطت أوقاتهم، وشعرت الأم بفوضى لم تعهدها.
اقترب أحدهم من الساعة، نظر إليها بدهشة وقال:
“البطارية انتهت.”
في تلك اللحظة، التفتوا…
وجدوا الأب جالسًا في زاويته، صامتًا على غير عادته.
لم يوقظ أحدًا، لم يذكر أحدًا بشيء.
اقتربوا منه، لأول مرة منذ زمن طويل، وسألوه:
“هل أنت بخير؟”
رفع رأسه ببطء، ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
“أنا فقط… توقفت قليلًا.”
حينها فقط، أدركوا.
أنهم لم يكونوا يرون الساعة… بل كانوا يرون فائدتها فقط.
وكذلك الأب… لم يروا قلبه، تعبه، صمته… بل رأوا دوره فقط.
استبدلوا بطارية الساعة، فعادت تدق من جديد.
لكن هذه المرة، كلما سمعوا صوتها، تذكروا أن في البيت قلبًا آخر،
يدق بصمت…
وقد يتوقف إن لم يجد من ينتبه إليه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الأب مجرد “ساعة حائط” في حياتهم…
بل صار الوقت نفسه.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

 اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: النصب الإلكتروني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى