الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: النصب الإلكتروني
رنّ هاتفي.
صوتٌ هادئ، مُتزِن، يحمل لهجة الموظف المُدرَّب على الابتسامة الهاتفية، قال: “حضرتك عندك فودافون كاش؟”
قلت: نعم.
قال: “يوجد رصيد لك كاش باك ألف وأربعمية وخمسين جنيه، هبعت لك رسالة دلوقتي على الهاتف.”
وفعلاً… جاءت الرسالة.
في ثوانٍ معدودة، وصلتني رسالة على رقمي، تحمل شعار المبلغ كاش باك ، وتُشير إلى مبلغ. لو كنتُ في عجلة، أو في يومٍ تعبت فيه من الدنيا، أو كنتُ ممن يثقون بكل ما يصلهم على شاشة الهاتف، ربما كنتُ تصرفتُ بشكل مختلف.
لكنني توقفت.
قال لي: “اعمل كود لاستقبال المبلغ.”
قلت له: سأرجع للشركة أولاً.
تحوّل الصوت الهادئ إلى ما يشبه الضغط الناعم: “إنتِ بترفض الكاش باك؟”
قلت: أرفضها.
قال: “يبقى هلغي الفلوس.”
قلت: الغِها.
وأغلقتُ الخط.
اتصلتُ بخدمة عملاء شركة الاتصالات.
تأكّدتُ أن لا شيء حدث، وأن ما جرى كان مسرحيةً مُحكمة من مكالمة واحد: رسالة مُزوَّرة، أو مُوجَّهة بطريقةٍ توهمك أنها رسمية، وكودٌ لو أدخلته كان قد فتح للنصّاب باب محفظتك على مصراعيه، يُثبّت نفسه كمستخدم مُفوَّض، فكل جنيه يدخل إليك يخرج إليه.
ألفٌ وأربعمائة وخمسون جنيهاً… ليست هي التي يريدها. هي فقط الطُّعم.
الخطير في هذا النوع من النصب أنه لا يعتمد على الجهل وحده، بل يعتمد على اللحظة.
لحظة الانشغال.
لحظة الحاجة.
لحظة الثقة في رسالةٍ وصلت على القناة الصحيحة.
النصّاب الإلكتروني الجديد لا يطرق بابك بوجهٍ مريب، بل يتصل بك من رقمٍ عادي، ويتحدث بلغة المؤسسة، ويُرسل إليك ما يبدو دليلاً على صدقه، ثم ينتظر منك ثوانٍ من الغفلة.
ثوانٍ فقط.
بل تحذيراً.
وهذه الحادثة لستُ أرويها افتخاراً بأنني لم أقع، بل لأن كثيرين وقعوا، وكثيرين لم يتكلموا خجلاً، وكثيرين لم يعرفوا أصلاً كيف حدث ما حدث.
في زمنٍ أصبحت فيه المحفظة الرقمية جزءاً من حياتنا اليومية، وأصبح الهاتف هو البنك والسوق والعقد والشاهد، صار الحذر ليس مجرد فضيلة، بل ضرورة بقاء.
لا تُدخل أي كود لا تعرف مصدره.
لا تثق بمن يتصل بك ويعرض عليك فلوساً لم تطلبها.
ولو شككتَ للحظة واحدة، أغلق الخط، واتصل أنت بالشركة مباشرةً.
النصّاب يحتاج منك ثانيةً واحدة من الإهمال.
أنت تحتاج ثانيةً واحدة من التوقف.
كونوا حريصين.
اقرأ أيضا
الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: العسل الأسود.. كنز في ملعقة




