توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: العسل الأسود.. كنز في ملعقة

كنت أتصفح هاتفي ذات صباح، بين فنجان قهوة لم يبرد بعد وأفكار لم تستيقظ بعد، حين توقفت عند فيديو للطبيب غريب جلال من محافظة السويس يتحدث بلهجة من يكشف سرًا طال إخفاؤه. لم يكن يروّج لدواء، ولا يعرض وصفة مدفوعة الأجر. كان فقط يتغزّل — نعم، يتغزّل بكل معنى الكلمة — في شيء قديم جدًا، نسيناه وسط ضجيج المكملات الغذائية وعلب البروتين المستوردة.
كان يتحدث عن العسل الأسود.
توقفت طويلًا أمام الشاشة الصغيرة، وأنا أستمع إلى الطبيب الذي يصف هذا العسل الداكن الثقيل كأنه يصف درةً مختبئة في خلية نحل في أدغال الجبال. وتساءلت: كم شيء نافع يسكن بيوتنا القديمة ونتجاهله بحثًا عن كل ما هو مستورد ومُعلَّب؟
العسل الأسود — أو كما يُعرف في بعض البلدان، وعسل الدبس في بلادنا — ليس مجرد نوع آخر من العسل. هو صنف يحتل مرتبة مختلفة تمامًا في سلّم القيمة الغذائية، غنيٌّ بالحديد والمعادن والأحماض الأمينية بما يفوق أشهر أنواع العسل الفاتحة التي نعرفها.
قال الطبيب في الفيديو ما معناه أن ملعقةً واحدة من هذا العسل كل صباح — قبل الطعام، قبل الكلام، ربما قبل التفكير — قادرة على أن تفعل للمناعة ما تعجز عنه حبوب كثيرة مكتوب عليها أسماء لا نستطيع نطقها.
وهذا ليس ادعاءً من عندي. فالعسل الأسود يحتوي على نسب مرتفعة من مضادات الأكسدة التي تحارب الجذور الحرة، وتلك الجذور هي التي تُسرّع شيخوخة الخلايا وتضعف الجهاز المناعي بمرور الوقت. كما يُعدّ مصدرًا طبيعيًا للحديد، مما يجعله حليفًا قيمًا لمن يعانون من فقر الدم. وفوق ذلك، يحمل خصائص مضادة للالتهابات والبكتيريا، تجعله دواءً شعبيًا تحميه الأجيال في صدورها قبل أن تحميه المختبرات في أوراقها.
لكن ما أوقفني حقًا لم يكن المعلومة وحدها. كان الشعور الذي صاحبها.
شعور أننا في عصر يهرع فيه الناس خلف كل جديد ومُعلَن ومُلوَّن، بينما الحكمة الحقيقية تجلس هادئة في برطمانات بسيطة، في أسواق شعبية، على رفوف بيوت الأجداد، تنتظر أن يلتفت إليها أحد.
ملعقة واحدة كل صباح. هذا كل ما طلبه الطبيب.
لا نظام غذائي معقد، ولا روتين مرهق، ولا فاتورة باهظة. فقط ملعقة من هذا السائل الداكن الذي تصنعه النحلة بصبر لا يُوصف، تبتلعها مع أول نفَس من نهارك، وتترك لجسمك أن يتذكر كيف يحمي نفسه.
أحببت أن أشارككم هذا. لأن بعض الأشياء تستحق أن تُقال ببساطة، بعيدًا عن الإعلانات وزحام المنتجات.
جرّبوا العسل الأسود. ملعقة في الصباح، قبل أن يبدأ العالم في إرهاقكم.
وإن سألكم أحد من أين جاءتكم هذه العادة، قولوا: من طبيب على الشاشة الصغيرة، توقف عنده كاتب ذات صباح، فأعجبه ما سمع، ولم يُمسك الأمر لنفسه.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أنا أبٌ فاشل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى