ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ: عندما يصبح المرض والذكريات إلهامًا .. فيديو
كتب- محمد شكر
يعد عبد الحليم حافظ أحد أهم رموز الغناء العربي في القرن العشرين، الذين قدموا الأغنية الرومانسية والوطنية بأسلوب جديد.
وُلد في 21 يونيو 1929 في قرية الحلوات بمحافظة الشرقية في مصر، لكنّ والديه توفيا وهو صغير، فانتقل للعيش مع أقاربه وظهرت موهبته الغنائية مبكراً.
إلا أنه عانى طوال حياته من البلهارسيا ومضاعفاتها، حتى توفي في 30 مارس 1977 في لندن بعد صراع طويل مع المرض،لكن رغم رحيله المبكر، ما زال يعتبر رمزاً فنياً في الوجدان العربي.
ومنذ اللحظة الأولى، بدت مسيرة عبد الحليم تجسيداً لأغنيته «موعود معايا بالعذاب يا قلبي». فقد وُلد في قرية الحلوات بمحافظة الشرقية عام 1929، وسرعان ما توفيت والدته بعد أيام من إنجابه.. ولم يمر عام على ولادته، حتى رحل أبوه هو الآخر.
وفتح «العندليب» أفقاً جديداً للغناء العربي بحنجرته الذهبية ونبرة الشجن، إلى جانب تعاونه مع كبار الشعراء والملحنين مثل محمد الموجي، وبليغ حمدي، وكمال الطويل، وحسين السيد، وعبد الرحمن الأبنودي، ونزار قباني.
عندما يصبح الألم إلهامًا
ولم يكن مرض عبد الحليم حافظ مجرد ألم ومعاناة جسدية، فقد تحول إلى مصدر إلهام فني..
فمع تدهور حالته الصحية في منتصف الخمسينيات، تغير صوته وأسلوبه، ليصبح أكثر صدقًا وعمقًا.
في أغنيات مثل “حاول تفتكرني” و”موعود” و”قارئة الفنجان”، ظهر هذا التحول جليا؛ حيث لم يعد الغناء مجرد أداء، بل أصبح حالة إنسانية كاملة، ينقل فيها إحساسه بالألم، والانتظار، والخوف من الفقد، وقد ساهم هذا الصدق في خلق علاقة استثنائية بينه وبين جمهوره، الذي لم يكن يسمع صوته فقط، بل يشعر بمعاناته.
من أكثر المشاهد التي رسخت أسطورة العندليب، إصراره على الغناء رغم مرضه، فقد كان يصعد إلى المسرح في حفلاته، حتى في أوقات كان يعاني فيها من نزيف حاد، رافضًا أن يخذل جمهوره، وهو ما جعله يحتل مكانة خاصة في قلوب محبيه.
الأيام الأخيرة
في نوفمبر ١٩٧٦ لزم عبد الحليم حافظ الفراش بعد إصابته بنزلة برد وبعد التعافي بدأ حليم يخطط للسفر إلى لندن لمتابعة العلاج بالحقن من دوالي المري .
وبعد تعافيه من نزلة البرد أقام آخر حفلاته العامه في القاهرة في ديسمبر وهو الحفل الشهير الذي حضره نجوم الفن والأدب مثل نزار قباني وإحسان عبد القدوس وعمر الشريف .. ثم بعده بأيام شارك العندليب في إحياء حفل زفاف إحدى بنات الرئيس السادات في يناير ٧٧ …
و سرعان ما حزم حقائبه للسفر الى لندن مصطحبا معه شريط كاسيت لأغنية من غير ليه على العود بصوت محمد عبد الوهاب ليتمرن على أدائها حتى لا يضيع وقت قبل حفل عيد الربيع في أبريل …
وفي يوم الأربعاء الموافق 30 مارس عام 1977 وفي التاسعة والنصف صباحا بغرفة 419 بالعاصمة البريطانية لندن الطابق الرابع بمستشفى «كنجز كوليدج» لندن، استيقظ حليم من نومة فى الساعة العاشرة صباحا، وأخذ حماماً وطلب من السفرجى الخاص به – الذى كان مرافقا له – تصفيف شعره، وبعدها دخلت عليه نهله القدسى زوجة الفنان محمد عبدالوهاب، قائلة له:
“إنت النهارده زى القمر، وأنا همسك السرير بدل الخشب عشان الحسد”، فضحك حليم، وقال لها: أنا نمت 16 ساعة، ولسه صاحى، وأعطاها الكاميرا، وطلب منها تصويره، وقال دى آخر عملية لى، وقامت بتصويره آخر صورة فى اللحظات الأخيرة قبل وفاته.
بعدها اتصل حليم بمنزله فى الزمالك، وطلب منهم قراءة سورة الفاتحة له فى الحسين، وأن يجهزوا له منزله ويكونوا على استعداد لاستقباله، لأنه سيعود بعد إجراء العملية، وبعدها أخذ يلقى نظرة على الصحف المصرية، وكان حليم طبيعيا حتى الساعة الــ12 ظهرا، حتى دخل علية الطبيب “ويليام روجرز” طبيبه الخاص في كنجز كوليدج في لندن، وصارحه بالحقيقية، وأن الكبد أصبح تالفا، وأن العملية مصيرها صعب.
ولكن حليم صمم على إجراء العملية، ودخل غرفة العمليات، وتم إجراؤها، وكان من قبل قد رفض إجراء زراعة الكبد، لأنها إذا نجحت فسيكون ممنوع من الغناء، وقال حعمل العملية بتاعة كل مرة حتى لو حموت.
حاول معه الدكتور ياسين عبد الغفار لإقناعه بأن الحالة خطيره، لكنه رفض، وانهار حليم بالبكاء، ونظر إلى السفرجى قائلا: “احتمال دى تكون آخر مرة أشوفك فيها”، وتم نقل حليم على الترولى الخاص بالعمليات، وتشاءم حليم، لأن المصحف الصغير الذى كان يضعه تحت رأسه أثناء كل عملية وقع على الأرض.
ودخل غرفة العمليات، وبعد 40 دقيقة خرج حليم، وهو يصرخ ويبكى من شدة الألم، ونادى على مجدى العمروسى، وسلمه الوصية التى كتبها، وقال له: نفذها يا مجدى ودى أمانة فى رقبتك، وخرج الجميع.
بعد نصف ساعة دق جرس الإنذار الموجود بجوار حليم، فدخل عليه الأطباء، فقال حليم بصوت ضعيف، فيه دم فى “بقى”، فرد عليه الأطباء دى تصفية من العملية، ووضعو له فنجان بجواره، حتى إذا تكرر ذلك.
وبعد دقائق دخلت الممرضة للاطمئنان عليه، فوجدت الدم يملأ الغرفة، ويخرج من فم حليم على الأرض فقامت بدق جرس إنذار، وقاموا بإعطاء حليم حقن دم فى رقبته، وفى أنحاء جسده لتعويض النزيف، ولم ينجحوا، وقام أحد الأطباء بإحضار جهاز به قربة يبلعها المريض، لتنتفخ داخل المعدة وتقوم بسد الأماكن التى يأتى منها النزيف، ما دعا مجدى العمروسى يقول له: “ابلع يا حليم حتى قام بابتلاع نصفها”، ثم توفى..
وفى هذه اللحظة جاءت “عليه شبانة” شقيقة حليم، ودخلت عليه وبكت وقالت “حبيبى فى الجنة إن شاء الله”، وقامت بتغيير ملابسه، وإلباسه جلباباً نظيفاً، وسكت صوت العندليب
في ظل هذه الأجواء وتفيض روح عبد الحليم الى بارئها يوم ٣٠ مارس ٧٧ ولَم يكمل عامه الـ48 ..
بداية المرض
في عام 1956 أصيب بأول نزيف، وبدأت رحلة الألم الحقيقية في حياة الشاب الذي ظن أن الدنيا فتحت بابها على مصراعيه لينهل من خيراتها، لكن القدر كان يخبئ له تفاقم مرض البلهارسيا.
الدكتورة توحيدة ياسين عبد الغفار أستاذة الكبد والجهاز الهضمى، ابنة الدكتور ياسين الطبيب المعالج له ، قالت إنه تم علاجه بحقن “الطرطير”، التى تعالج البلهارسيا، وكانت السبب في انتقال فيروس سى إليه مثل آلاف المصريين غيره لأنها تستخدم لكل المرضى دون تعقيم وليست للاستخدام الواحد كما هو عليه الآن، مما تسبب الفيروس لكل هذه المضاعفات التى أصابته بالنزيف المستمر، والذى تسبب فى النهاية لوفاته.
وأضافت، ابنة الدكتور ياسين عبد الغفار الطبيب المعالج لعبد الحليم حافظ، ان حليم توفى من البلهارسيا، ومن علاج البلهارسيا، مثل الكثير من المصريين، وقتها كان يتم علاجها بحقن “الطرطير”، والتي كانت السبب فى إصابة عبد الحليم بفيروس سى، والذى انتقل لآلاف المصريين مثله، وأعطاه بعض الإرشادات، بأن يتجنب الملح فى الأكل، والأطعمة الحمضية، والتوابل الزائدة، والأكل المسبك، والدهون، وتجنب بعض الأدوية، والإرهاق الشديد، وكان يتم علاجه فى مصر، وكان يأخذ رأى البروفوسير ويليام روجرز فى إنجلترا، وعبد الحليم كان معروفا فى لندن، لأنه غنى فيها، لجمع التبرعات أيام النكسة.

بكاء وحزن الموجي
وفي تصريحات سابقة قال الموسيقار يحيى محمد الموجي نجل الموسيقار الراحل إن والده كان يعتبر عبدالحليم “توأم روحه”.
فبعد تقدم والدي للإذاعة كمطرب تم إجازته كملحن وليس مطرب، واعتبر أن عبدالحليم هو صوته الذي يغني به.
وأضاف: علاقة الصداقة بينهما كانت قوية، وكان كل منهما يغار على الآخر، وفي كل مشكلة تحدث بينهما يقوم والدي باكتشاف مطرب جديد ويثير الأمر غِيرة عبدالحليم وقته.
وأضاف : لما كانوا يجوا يتصالحوا يقوله كل ما تحصل بينا مشكلة هطلعلك مطرب جديد، وده فعلا عمله لما طلع محرم فؤاد، وعبداللطيف التلباني وماهر العطار، وكمال حسني، وهاني شاكر.
وأضاف والدي كان بيعتبر العندليب الفنان الذي لا يتكرر، وصوته الذي يعبر عن كل مشاعره، ووفاة عبدالحليم تعتبر من أسوأ ما مر في حياة أبي، فحينما علم بوفاته ظل يصرخ وهو يردد “واحد من عيالي مات”.
لافتا أن والده “رجع رجع البيت وعينيه كانت وارمة لون الدم من كتر البكا، وكلم مرسي جميل عزيز في التليفون وبلغه الخبر، وهو بيبكي بحرقة وصوته كأنه بيصرخ، وقال كإن واحد من عيالي مات”.
عماد حمدي .. والخطايا
وفي حوار نادر لعماد حمدي مع الإذاعي وجدي الحكيم، تحدث خلاله عن فيلم “الخطايا”، وروى موقفًا جمعه بالعندليب عبدالحليم حافظ، مؤكدًا أن مشهد ضربه للأخير لم يكن سهلًا، وقال: “المفروض إني بضربه قلم وطبعا عبدالحليم زي ابني بالظبط، قلت إزاي أضربه مش معقول ما يجيليش قلب، وقتها عبدالحليم قالي اضرب زي ما إنت عايز، وفعلا ضربته والقلم ده جابلي كارثة الناس كرهتني جدا عبدالحليم محبوب خصوصا من الجنس اللطيف”، مضيفًا: “عدت القلم ده 11 مرة”.!!
الحب الأول
وفي تصريحات لمحمد شبانة، وهو ابن شقيق الفنان الراحل يقول : قصص الحب في حياة عمي تبدو سلسلة من التعاسة وعدم الاكتمال، كأنه يطارد خيط دخان، وفق إحدى أغنياته الخالدة (قارئة الفنجان).
ويضيف – في تصريحات صحفية-( الحب الأول في حياته كان الأقوى والأكثر عنفواناً وصدقاً، حين عشق فتاة في الإسكندرية أثناء زيارته المدينة الساحلية خلال إجازة الصيف. هناك وقعت عيناه على السيدة ديدي.. سرعان ما تقدّم لخطبتها، فلاقى اعتراضاً من جدّها بذريعة الفوارق الطبقية، إذ كانت سليلة عائلة أرستقراطية).
وقال : الرفض كان مؤلماً لحليم، خصوصاً أنه بدأ يصبح مشهوراً.. زاد الألم حين أُصيبت الحبيبة بمرض خطير، فسافر إليها وهي تتلقّى العلاج في لندن، حيث أوصته بالزواج والبحث عن السعادة.. حاول التأكيد لها أنها ستعيش وسيتزوّجها، لكنها ماتت بين يديه، فغنّى لها أغنيته الحزينة (في يوم في شهر في سنة… تهدا الجراح وتنام… وعُمر جرحي أنا… أطول من الأيام).
حليم.. وسعاد حسني
عن قصة الحب الشهيرة بين حافظ وسعاد حسني، يقول شبانة: حليم كان يساندها خلال صعودها التمثيلي، ويؤمن بموهبتها.. صحيح استيقظت مشاعره تجاهها، كما بادلته هي الحب، لكن الأمر لم يكن بالقوة والتكامل بحيث ينتهي بالزواج، إذ حالت التناقضات دونه، نافياً حدوث زواج سرّي بينهما: العقد الذي يتداوله البعض على أنه وثيقة زواج، مزوّر، وبياناته تحتوي على عديد من المغالطات.
ويوضح: عبد الحليم كان يسعى إلى تعويض يتمه عبر مطاردة الحنان في علاقاته النسائية، وإن كان عزاؤه الحقيقي فنه وإبداعه.
رفضه لزراعة الكبد
قال محمد شبانة ،عمو حليم رفض فكرة إجراء عملية زراعة كبد خوفًا من أثر العملية وهو النسيان.
وكان بيقول (يارب أنا مقدرش أنسى ومش عايز أعيش وأنا بنسى، ومقدرش أمارس عملي وانسى حاجة، يارب ريحني، وربنا استجاب له وتوفاه).
المنتجة ماري كويني .. وحليم
صدمة تلقاها خلال بدايات مشواره الفني، هو رفض المنتجة ماري كويني إسناد دور له في أحد أفلامها، معتبرة أن وجهه غير سينمائي، وعندما ذاع صيته عرضت عليه أن تنتج له، لكنه رفض.
قصص الحب الحقيقي لاتكتمل ولكنها تعيش
ويرى الناقد الفني طارق الشناوي أنه على مر التاريخ، فإنّ قصص الحب الحقيقي التي تعيش هي التي لم تكتمل ولم تحظَ بنهاية سعيدة.. كما حدث في علاقة عبد الحليم العاطفية وسعاد حسني.
وقال في تصريحات صحفية ..قصص الحب الحزينة والمؤلمة في حياة “العندليب” كثيرة ومتشعّبة، ولا تقف عند حدَي “ديدي” و(السندريلا)، لكن المُلاحَظ أنّ كثيراً منها خاضها حليم بعقله بحثاً عن وقود إلهام ومصدر طاقة ليكمل المشوار.
حليم وأغنية لحبه الأول




